تبادل الأسرى في اليمن.. خطواتٌ مُنتظرة!

دكة _ محمد علي محروس

توقفت عمليات تبادل الأسرى والمحتجزين بين الحكومة المعترف بها دوليًا وجماعة “أنصار الله” الحوثيين عند خطوتها الأولى،
ففي منتصف أكتوبر 2020، تكللت مساعي اللجنة الدولية للصليب الأحمر ومكتب المبعوث الأممي إلى اليمن بالنجاح، عندما تمكنت من لم شمل أكثر من 1000 محتجز بأسرهم مجددًا، بعد نحو ست سنوات من الغياب القسري عن ذويهم وديارهم.

 

الصفقة الكُبرى

كانت عملية التبادل بمثابة الخطوة المُنتظرة للدفع باتفاق تبادل الأسرى المُبرم بين طرفي الصراع في استوكهولم 2018 نحو عمليات مشابهة، ستتوج في نهاية المطاف بالإفراج عن قرابة 15 ألف محتجز لدى الجانبين، لكن شيئًا من ذلك لم يحدث، ففصول المعاناة والألم التي يعانيها المحتجزون في السجون استمرت على حالها، والمشاورات المتتابعة في العاصمة الأردنية عمّان لم يُكتب لها النجاح؛ بسبب عدم توافق الأطراف، وتوقّف تنفيذ الاتفاق الذي كان يمثل أولوية ملحّة بالنسبة لليمنيين يومها وما زال.

لم تستطع اللجنة الدولية بعدها العمل على تيسير صفقات تبادل أخرى بذات القدر، بعد فشل مساعي المبعوث الأممي لإحياء اتفاق تبادل الأسرى الذي يمر بحالة موت سريري منذ قرابة عام.

وتعد عملية إطلاق سراح المحتجزين هذه أكبر عملية من نوعها في إطار النزاع الدائر باليمن، إذ تم الإفراج عن 381 معتقلًا يتبعون الحكومة المعترف بها دوليًا و681 يتبعون جماعة “أنصار الله” الحوثيين، ولم تستطع اللجنة الدولية بعدها العمل على تيسير صفقات تبادل أخرى بذات القدر، بعد فشل مساعي المبعوث الأممي لإحياء اتفاق تبادل الأسرى الذي يمر بحالة موت سريري منذ قرابة عام.

جهود محلية

توقّف الصفقات التبادلية على مستوى البلاد لا يعني أن الجهود المبذولة في هذا الملف كُتب لها أن تموت، فمنذ أبريل 2016 يواصل عبداللطيف المرادي، وهو وسيطٌ محلي، جهوده من أجل عقد صفقات تبادلية بين القوات الحكومية، وقوات جماعة أنصار الله (الحوثيين)، بالتنسيق مع قادة ميدانيين، وفق آلية توافقية، يعمل المرادي على تعزيزها منذ ست سنوات، وقد نجح في ذلك أكثر من مرة.

لا يريد المرادي أن يعيش أحدٌ مرارة التجربة التي خاضها عام 2015، حين تم احتجازه، كان هذا سببًا لتوجهه نحو العمل على الإفراج عن المحتجزين لدى كل طرف، باستخدام علاقاته الشخصية، وبالتواصل مع القادة الميدانيين.

يحكي المرادي عن الثلاثة الأشهر الأولى له في مهمته التي يصفها بالإنسانية “أنها كانت بمثابة البداية الواعدة لتسجيل نجاح ملموس كوسيط بين طرفي الصراع، إذ استطاع إجراء ثلاث عمليات تبادل بين الجانبين بعدد تجاوز 250 محتجزًا، إضافةً لإطلاق 150 معتقلًا من الذين لم يشاركوا في القتال من سجون جماعة أنصار الله (الحوثيين) في صنعاء ورداع بمحافظة البيضاء والحوبان بمحافظة تعز، كل هذا في عام 2016”.

لاحقًا، طوّر المرادي فكرته مشكّلًا اللجنة المجتمعية التي لعبت دورًا إنسانيًا تَمثّل في تسهيل دخول الأدوية إلى مدينة تعز، والإفراج عن عدد من المعتقلين الذين لا صلة لهم بالحرب، ومحاولة تخفيف استهداف الأحياء السكنية، إضافة إلى تفعيل عملية تبادل الجثث بين الجانبين، وعقد اتفاق بذلك، والحصول على قوائم أسرى كل طرف، والأخيرة كانت مهمة للوصول إلى تفاهمات أنجزنا من خلالها تبادلات عدة، كما يقول المرادي.

 

بصمة شبابية

17 عملية تبادل، قادها عبداللطيف المرادي منذ عام 2016، ثلاث منهن في مأرب ومريس، تم الإفراج خلالهن عن 370 من قوات الحكومة، و340 من قوات جماعة أنصار الله ( الحوثيين)، كان نصيب الطرفين من تعز هو الأعلى بواقع 337 من قوات الحكومة، و307 من قوات جماعة أنصار الله (الحوثيين) ، إضافة لمساعي إطلاق معتقلين مدنيين تكللت بالإفراج عن 650 شخصًا كانوا في سجون جماعة الحوثي بمحافظتي إب وتعز.

على جانبي تعز، حيث تُسيطر القوات التابعة للحكومة المعترف بها دوليًا على المدينة، وعلى بعد كيلو مترات، تحديدًا في منطقة الحوبان الواقعة تحت سيطرة جماعة “أنصار الله” الحوثيين، شُكّل فريق شبابي مُساند لجهود الوساطة المحلية بكافة مستوياتها “تبادل الأسرى والجثث، وأي تفاهماتٍ تعزز حماية المدنيين، وتسهّل تنقلاتهم”.

من بين الفريق المُساند الناشطة الشبابية مرسيليا العُسالي التي تتحدث عن تجربة العمل مع الوساطة المحلية بكثير من الإنصاف، وهي تساهم معية زملائها وزميلاتها في إعداد قوائم الأسرى والمخفيين، وتصميم استمارات بياناتهم، والنزول إلى أسرهم، والرفع بها إلى الوسطاء، إضافة إلى توثيق عمليات انتشال الجثث بما يُساند الجهود المبذولة.

وتضيف العُسالي: “أعددنا حملة مناصرة متكاملة حول فتح المنافذ بالتنسيق مع الوسطاء المحليين، وننتظر منهم الضوء الأخضر للبدء فيها بما يعزز من جهودهم لفتح ممرات آمنة من وإلى تعز”.

وتعيش آلاف الأسر في انتظار ذويها من أسرى، ومحتجزين ومعتقلين بشكل تعسفي، ومخفيين قسرًا، دون أي بوادر لحلٍ في الأفق

نواة سلام

يُعوّل على مثل هكذا جهود أن تُشكّل نواةً لسلام بين أطراف الصراع طال انتظاره، أو على الأقل تُحِد من الاستهداف المتبادل الذي يذهب ضحيته مدنيون غير منخرطين في الصراع باي شكلٍ من الأشكال.

هذا ملف إنساني بامتياز، وجدير بالدعم والمساندة؛ لأنه يعيد الاعتبار لليمنيين ككيان واحد، هذا ما تراه الناشطة الحقوقية سعادة العريقي، وتضيف: نحتاج إلى الواقعية والفعل الجاد، وإشراك المرأة والشباب بشكل مكثّف، لنصل إلى نتائج ملموسة.

غير بعيد، يرى الوسيط المحلي عبداللطيف المرادي أن جهود الوساطة المحلية وما تقوم به من بناء جسور تواصل بين الطرفين تعمل على ردم الفجوة واستعادة الثقة ومحاولة ترميم النسيج الاجتماعي الذي يكاد أن يتمزق، حسب قوله.

وتعيش آلاف الأسر في انتظار ذويها من أسرى، ومحتجزين ومعتقلين بشكل تعسفي، ومخفيين قسرًا، دون أي بوادر لحلٍ في الأفق، يُنهي سبع سنواتٍ من الحرب التي لم تترك شيئًا إلا وطالته.