ماهي أدوار «الحمام الزاجل» في حرب «اليمن» المشتعلة؟

دكة- علاء الدين الشلالي

مع احتدام النزاع المسلح في اليمن ودخوله العام السابع، ثمة أشخاص وجدوا أنفسهم جزءاً من الحرب، سواءً مشاركين فيها أو متضررين منها أو ممن يعارضها، ليس من خلال استخدام الآلات الحربية وحسب بل وحتى من خلال استخدام الحيوانات ومنها الحمام الزاجل الذي كان له أدوار قديمة في الحروب من خلال نقل الرسائل ومعرفة مستجدات الأخبار في جبهات القتال.

ويتميز الحمام الزاجل بالذكاء وبصفات سلوكية فطرية نادرة تجعل له خصوصيته بين كل أنواع الطيور الأخرى، أهمها قطعه مسافات طويلة تتجاوز مدن وبلدان عديدة، تصل إلى 1000 كلم في اليوم الواحد وكما للحمام الزاجل أدوار لافتة في الحرب فله أدوار متميزة في السلم، فكيف استخدم ناشطون يمنيون الحمام الزاجل في الوقت الراهن؟

 

من السفارة للعش 

محمد السنباني واحد من أولئك الناشطين المهتمين بتربية الحمام،كان يعمل في السفارة البريطانية في صنعاء قبل إخلاء الإنجليز طاقم السفارة في منتصف فبراير/شباط 2015، أي قبل أشهر من سيطرة جماعة أنصار الله على صنعاء، حيث كثف السنباني البالغ من العمر35 عاماً نشاطه في تربية الحمام الزاجل منذ اندلاع الحرب حتى وقتنا الراهن، لأنه يرى بأن تربية الحمام الزاجل جديرة بإشباع هواية تجري في دمه منذ نحو 28 عاماً.
وخلال حديثه لـ”دكة” يلفت السنباني بأنه يواجه المحبطات التي تعتري مسيرته في تربية الحمام، بسبب وجود عراقيل تواجهه من قبل السلطات الحاكمة في بلده.

يقول السنباني: “تربية الحمام تحتاج عناية خاصة من خلال وجوب توفير تغذية جيدة، وتطبيب مناسب، وتربية، ونظافة، لكن الأوضاع في اليمن ليست مشجعة على توفير ذلك، بسبب الأزمات الاقتصادية التي يعانها منها اليمنيون جراء الحرب”.
يدفع السنباني 30ألف ريال ( نحو 52$ حسب سعر الصرف في صنعاء) شهرياً لشراء كيس قمح ونصف كيس من الحبوب المخلوطة من فيتامينات وأملاح معدنية من أجل أن يُطعم الحمام الزاجل الذي يربيه، في بلد وصفته الأمم المتحدة بأنه يشهد أسواء أزمة إنسانية في العالم وباتت المجاعة تهدد ساكنيه بحسب تحذيرات أطلقتها الأمم المتحدة في الآونة الأخيرة.
خلال الثلاثة أشهر الماضية اضطر السنباني أن يستدين قيمة الطعام المخصص للحمام الذي يربيه من تاجر الحبوب ومن مالك الطاحون الذي يتردد عليه،كما اضطر بأن يُهدي بعض أصدقائه مجموعة من الطيور من أجل أن يقلل المصروفات التي يدفعها نظير تربيته للحمام.

 

مبيعات بالملايين

كان الحمام الزاجل موجوداً في اليمن الشمالي في عهود الدولة السبئية، وفي بداية القرن العشرين في عهد المملكة المتوكلية اليمنية كان يُستخدم كساعي بريد يقوم بنقل الرسائل بين الإمام ووكلائه في عدد من المحافظات، وما يزال دار الحجر وهو أحد أهم قصور الإمام يحيى حميد الدين ملك اليمن الشمالي الواقع في قرية القابل شمال غربي صنعاء، شاهداً على اهتمام حكام اليمن بالحمام الزاجل، إذ توجد داخل ذلك القصر غرفة خاصة للحمام الزاجل، بحسب مصادر تاريخية. أما في جنوب اليمن، فقد كان السلاطين إبان فترة حكم الاحتلال البريطاني يستخدمون الحمام الزاجل كساعي بريد.
وفي بداية الألفية الثالثة بدأ عدد من الهواة إشهار تجمعات ومبادرات خاصة بمربيي الحمام في مختلف المناطق اليمنية، كجمعية شباب عدن للحمام الزاجل، وجمعية هواة صنعاء، ونادي حضرموت، ونادي الحمام الزاجل في تعز.

وقد زاد إقبال الناس على شراء مختلف أنواع الحمام ومنها الزاجل، وانتشرت أسواق بيع الحمام في صنعاء وعدن وتعز وحضرموت، ويُعد سوق بيع الحمام في السوق المجاور لماكان يُسمى بمعسكر سلاح الإشارة بمنطقة باب اليمن من أشهر تلك الأسواق، إذ تباع فيه مختلف أنواع الحمام الزاجل والذي يحمل مسميات عديدة منها الصربي و مايكل، وكايبرز، وتورنير، والإسباني، والإنجليزي.

ووفقاً لحديث علي حرازي، وهو أحد باعة الحمام الزاجل في سوق باب اليمن بصنعاء، خلال حديثه لـ”دكة”، فإن “الناس خلال فترة الحرب زاد اهتمامهم بشراء الحمام الزاجل، حيث يفضلون شراء الحمام ذو السلالات الأصلية لتربيتها واستخدامها في عدة أمور”.
ويرى محمد جمعان، وهو أحد باعة الحمام الزاجل في سوق باب اليمن، بأن أسعار بيع الحمام الزاجل ارتفعت في زمن الحرب إلى أرقام قياسية، حيث وصل سعر بيع الحمامة الواحدة إلى 2 مليون ريال يمني، وهو ذات السعر الذي باع فيه مؤخراً الناشط يوسف الأغبري الحمامة الزاجلة التي كان يمتلكها.
وفي الآونة الأخيرة عمل عدد من هواة ومربو الحمام على نشر إعلانات بيع الحمام في أسواق افتراضية عبر مجموعات بمواقع وتطبيقات التواصل الاجتماعي، على شبكة الإنترنت، أشهرها مجموعة تسمى بـ”مزاد” للناشط عدنان البدري، وهو الأمر الذي تشجعه جمعية هواة سباق الحمام الزاجل في اليمن كما يقول محمد الهويدي مسئول العلاقات فيها خلال حديثه لـ”دكة”.

الحمام رمز للسلام

تذكر المصادر التاريخية بأن النبي نوح، بعد واقعة الطوفان الشهيرة أرسل غراباً يستطلع أي مكان يصلح بأن يكون مرفأً لسفينته، فلم يعُد الغراب، فأرسل نبي الله نوح حمامة، فرجعت له حاملة غصن زيتون وقدماها مليئة بالطين، حينها أدرك نوح بأن الماء قد نضب في المكان الذي أتت منه الحمامة، فمنح نوح الحمامة طوقاً تزين به عنقها، ومن ذلك الحين أصبحت الحمامة من أشهر رموز السلام. وعقب الحرب العالمية الثانية اختار الفنان العالمي بيكاسو الحمامة لتكون رمزاً للسلام، في عمله الفني La Colombe، حيث أظهر الحمامة مع غصن زيتون بمنقارها. وتم اختيار هذا الشعار ليكون رمزاً للسلام في مؤتمر السلام العالمي بباريس عام 1949.

خلال فترة الحرب التي ماتزال تدور رحاها في اليمن أقيمت العديد من مسابقات الحمام الزاجل للفت أنظار أطراف النزاع من أجل الجنوح للسلم، أبرز تلك السباقات سباق سيئون للحمام الزاجل، وسباق عدن، وصعدة، وسباق الحمام من منفذ صرفيت بالمهرة إلى صنعاء الذي انطلق في فبراير/شباط الماضي، وقد برز في تلك المسابقات العديد من النجوم كأبطال لرياضة سباق الحمام منهم غانم النجاشي، يوسف الأغبري، خالد الخولاني، محمد الأشحب، نواف عثمان، شهاب خيري رضا، عبدالرحمن الجوبي.
يتمنى الناشط والهاوي محمد السنباني، أن يكون لكليات الزراعة وأقسام الطب البيطري والتربية الرياضية في الجامعات والمعاهد اليمنية اهتمام خاص بتربية الحمام الزاجل، وبالمسابقات التي ينظمها الناشطون، وأن تتوقف الحرب في اليمن ويعم السلام.