هل تعزز الفعاليات التراثية التعايش في اليمن؟

دكة – أبرار بجاش قاسم

“إذا كانت السياسة تفرّق، فإن الفعاليات التراثية تلم الشمل وتعزز التعايش” بهذه الكلمات يلخص الناشط الثقافي مازن شريف الدور الذي تلعبه المهرجانات التراثية والثقافية في مواجهة آثار الحرب وخطاب الكراهية.

يضيف مازن: “الحروب تزيد من هوة الخلاف والفرقة بين الأطراف والمكونات الاجتماعية عبر ساحات الصراع، بينما تسهم الفعاليات التراثية في حدوث العكس، نحن نبحث عن نقاط التلاقي والتشابه من خلال الفن والثقافة والتراث”.

شريف الذي يشغل منصب المدير العام لمؤسسة عدن أجين الثقافية يرى: ” بأن الفعاليات المتعلقة بالتراث شحيحة جداً وأن موضوع الثقافة والتراث لا يثير اهتمام والتفات الجهات الحكومية أو الدولية بالقدر الكافي، في حين ان هذه الفعاليات تحظى بشغف واهتمام الشباب “.

فيما يتعلق بالأزياء التراثية يقول شريف: “بأن الأزياء انعكاس لروح المكان وسمات الانسان، حيث ترتبط ب أحوال الطقس والمناخ وعادات وتقاليد المنطقة”

ويوضح شريف بالقول: “على سبيل المثال في عدن حيث الطقس الحار والتنوع السكاني نجد الملابس تتميز بكونها خفيفة لملائمة الجو الحار، و مفعمة بالألوان التي تعكس الروح العدنية المحبة للحياة والتعايش” .

ويختتم شريف حديثه بالقول :”أعشق صنعاء القديمة ، أحب زبيد، وتسحرني شبام، أسواق المكلا القديمة، ومؤخرا كان لي الشرف بزيارة مدينة رداع القديمة، ومدينة جبلة وإب القديمتين، أحب مباني يافع المميزة، والأزياء التي تمثل تلك المناطق. وبلا شك أنا “مهووس” بمدينة عدن القديمة وأسواقها وطابعها المعماري العدني “.

 

“أعشق صنعاء القديمة ، أحب زبيد، وتسحرني شبام، أسواق المكلا القديمة، ومؤخرا كان لي الشرف بزيارة مدينة رداع القديمة، ومدينة جبلة وإب القديمتين، أحب مباني يافع المميزة، والأزياء التي تمثل تلك المناطق. وبلا شك أنا “مهووس” بمدينة عدن القديمة وأسواقها وطابعها المعماري العدني “. 

 

وفي الوقت الذي تسببت الحرب في تمزيق أواصر النسيج الاجتماعي في شمال اليمن وجنوبه اتجهت اهتمامات بعض الشباب والشابات نحو طرح أفكار تهدف الى تعزيز قيم التعايش ونبذ الكراهية فكانت البداية من إقامة فعاليات ثقافية بغرض التعريف بموروثات ومشتركات المناطق اليمنية المختلفة يتم تنظيمها من قبل شباب متطوع بدعم من جهات مهتمة بالفعاليات التراثية فمثلا في صنعاء يهتم المنظمون لحدث TDX بتخصيص يوم التراث بمشاركة شباب يتطوع كل منهم بتمثيل زي مدينته بالإضافة إلى تخصيص ركن خاص بالمـأكولات التراثية لكل منطقة.

يتعدد هذا النوع من الفعاليات في أكثر من مدينة يمنية، حيث تنظم وزارة الثقافة في مدينة عدن بشكل سنوي “مهرجان الشعوب والتراث” كما تقيم محافظة شبوة فعاليات مشابهة، حيث أقيم هذا العام “المهرجان السادس للتراث والموروث الشعبي”، نظمته جمعية عسيلان للثقافة والتراث تحت شعار “تراثنا قيم وهوية” وفي صنعاء أقيمت فعالية ثقافية تراثية تحت عنوان “مهرجان يوم التراث “.

“يمثل التراث مكونا اصيلا لهوية الانسان وتاريخ الشعوب ويمثل هذا النوع من الفعاليات اقرب الطرق المتاحة للحفاظ على هذا الإرث الاجتماعي بحسب باحمالة”

 

” الخابة وهي من الألعاب الشعبية التي غالباً ما تقام في مناسبات الأعياد الدينية، تبدأ عندما يجتمع المشاركون من مختلف الأعمار في مكان خاص حيث يحمل عدد من الرجال( الطوس) الطبول وعلى نغمات المزمار وإيقاعات الطوس يردد المشاركون أبياتاً شعرية ممسكين بعيدان بأيديهم يلوحون بها بحركات الأرجل إلى أن يصلوا على موقع فسيح حيث ينتظمون بشكل دائري ويؤدون هذه اللعبة مرددين أبياتاً من الشعر الشعبي وأهازيج جميلة”.

 

يقول أحمد كرامه باحمالة وهو رئيس مؤسسة الرناد للتنمية الثقافية ” الفعاليات التراثية لعبت دوراً كبيراً في توعية الشباب من مختلف ساحات النزاع وساهمت في تقريبهم من بعضهم البعض من خلال محاكاة تراث كل منطقة للأخرى وما تنتجه من مناقشات حول التشابهات والفروق وعلاقة ذلك بطبيعة المناطق وطقسها والأنشطة السكانية فيها”.

ويضيف باحمالة: ” تلك الفعاليات والأنشطة التراثية التي تتبناها المؤسسة في محافظة حضرموت قدمت رسائل ايجابية في اتجاه تعزيز التماسك الاجتماعي، ظهر ذلك جلياّ من خلال فعاليات الألعاب الشعبية التي يتجمع من خلالها شباب من مناطق مختلفة وممارسة ألعاب بالتحدي مع أكثر من فريق ومن ضمن هذا الألعاب لعبة ” الخابة وهي من الألعاب الشعبية التي غالباً ما تقام في مناسبات الأعياد الدينية، تبدأ عندما يجتمع المشاركون من مختلف الأعمار في مكان خاص حيث يحمل عدد من الرجال( الطوس) الطبول وعلى نغمات المزمار وإيقاعات الطوس يردد المشاركون أبياتاً شعرية ممسكين بعيدان بأيديهم يلوحون بها بحركات الأرجل إلى أن يصلوا على موقع فسيح حيث ينتظمون بشكل دائري ويؤدون هذه اللعبة مرددين أبياتاً من الشعر الشعبي وأهازيج جميلة.

يعود باحمالة للحديث عن هذه الألعاب ويقول: تعتبر هذه أكثر الألعاب الشعبية التي انخرط فيها كثير من الشباب الحضارم والمقيمين في حضرموت من أبناء المحافظات المختلفة، ونحن ندعو على الاستمرار في تنظيم هذه الفعاليات دعما للتعايش بين مكونات المجتمع في المحافظة لتقليل اثار الحرب السلبية على العلاقات الاجتماعية”.

هاجر نعمان، فنانة من مدينة تعز تحكي عن تجربتها كشابة في المشاركة بهذه الفعاليات وما مدى الأثر الذي لمسته من خلال تواجدها في أكثر من فعالية تراثية وتقول: علمتنا الفعاليات التراثية السلام والتعايش والحب لقد كانت رسالة هذه الفعاليات سامية فنحن من خلالها نقول للناس نحن من مكان واحد أرضنا واحدة حتى وإن اختلفت لهجاتنا يجمعنا الفن.

لقد ساهمت هذه الفعاليات في بناء تماسك مجتمعي حسب نعمان التي تعتبر من أكثر الشباب بروزا في المشاركة المميزة بالزي التراثي ومشاركاتها الكبيرة في هذه الفعاليات بأكثر من محافظة.

هاجر نعمان التي ركزت بشكل كبير في رسالتها الفنية على الظهور بشكل مختلف بتمثيل تراث المدينة التي تنتمي اليها حيث تقول ” اقوم بإعادة نشر وتجديد التراث التعزي غناءًا ولبسًا من خلال الفعاليات التراثية التي تخلق بداخلنا حب الانتماء والفخر بما نملك من إرث.

 

لكل منطقة زيها الخاص، فالعسيب والجنبية يختلف شكلهما من منطقة إلى أخرى، وحتى في المنطقة الواحدة يختلف الشكل، وتختلف شكل الجنبية في صنعاء، عن الجنبية في مارب وشبوه وحضرموت، ويصدق هذا على المعوز أو المقطب وغيره من الأزياء التي تختلف من منطقة إلى أخرى.

 

الفولكلور أحد مكونات الثقافة بمفهومها الأنثروبولوجي”، والتي تعد بدورها أحد عناصر تشكيل الهوية لدى المجتمعات الإنسانية” بحسب الباحث في الفولكلور واحد مؤسسي مركز العربية السعيدة للدراسات أحمد العرامي.

يشير العرامي: “في بلد مثل اليمن يعيش نزاعاً منذ سنوات، حيث نشأت أو تغذت الهويات الصغيرة أو تم استدعاؤها، يمكن أن يتحول التنوع التراثي والثراء بين مناطق اليمن وفئاته، إلى ساحة للصراع، أو تصبح عناصر الفولكلور جزءاً من هذا الصراع أو رموزاً له، أو أدوات للفرز والتصنيف القائم في بعض أشكاله على الطبقية والمناطقية. وهما بعدان موجودان أساساً في طبيعة الثقافة الشعبية ومحمولاتها الثقافية”.

يؤكد الباحث العرامي ويشغل أيضاً المدير التنفيذي لمركز العربية السعيدة للدراسات بأن لفعاليات التراث أثر إيجابي سوآءا على الفرد نفسه أو على المجتمع ومن هنا يمكن القول إن العمل على مثل هكذا أنشطة يغدو مهماً للغاية إذا ما وضعت هدفها الرئيسي محاولة تجنيب عناصر التراث محمولاتها الطبقية أو المناطقية.

ومن خلال خبرته الواسعة في هذا الشأن يخبرنا العرامي: إن قياس مدى نجاح مثل هذه الفعاليات يكمن في مدى قدرتها على نزع الأبعاد الطائفية/ المناطقية عن عناصر التراث نفسها. ويذهب العرامي إلى الحديث عن الأزياء التراثية لبعض المناطق قائلاً: بأن لكل منطقة زيها الخاص، فالعسيب والجنبية يختلف شكلهما من منطقة إلى أخرى، وحتى في المنطقة الواحدة يختلف الشكل، وتختلف شكل الجنبية في صنعاء، عن الجنبية في مارب وشبوه وحضرموت، ويصدق هذا على المعوز أو المقطب وغيره من الأزياء التي تختلف من منطقة إلى أخرى.

“إن إشكالية الأزياء تحديداً تتمثل في كونها هي المحدد الأكثر علنيةً أو مباشرةً، نظراً لارتباطها بالجسد الإنساني، ما يجعل منه محدداً أولياً للشخص في الفضاء الاجتماعي ” يضيف أحمد العرامي.

تصف مريم الذبحاني التراث بـ “روح المكان”، مضيفًة: للأسف الشديد مع الحروب والظروف التي تمر بها البلاد أدى ذلك إلى عدم استقرار أمني نتج عنه إهمال جانب التراث وقل ما نجد فئة تهتم فيه وبإقامة الفعاليات التي قد تزود المعرفة بمناطق ومدن يمنية.

مريم التي تعمل كصحفية ومقيّمة فنية وصانعة أفلام مرت بالعديد من التجارب فهمي أيضًا قد شاركت كمشرفة لعدة أفلام تراثية تحكي عن الأزياء والعادات والمتاحف وغيرها ومن خلال خبرتها تلك تخبرنا الذبحاني عن الأهمية التي تكمن في التوثيق لفعاليات التراث والتركيز على الأزياء المختلفة لكل منطقة ونشر ذلك بشكل يليق بالبلد ” حد قولها “.

“صناعة الأفلام والتقاط الصور المؤثرة التي تحكي قصة مدينة ما من خلال زي معين قد تصنع تثقيف كبير للمجتمع وتجعله أكثر اطلاعاً عن تراث بلده” بهذه الكلمات تختتم الذبحاني حديثها لأهمية التوثيق لمثل هكذا فعاليات.

 

صورة الغلاف من موقع المشاهد