عروس في المخيم (تحقيق استقصائي حول زواج القاصرات في مخيمات النازحين في محافظة حجة)

اصيل سارية – عيسى الراجحي

أبلغ من العمر ثمانية عشر عاما ولدي ابنه عمرها ثلاثة أعوام” معادلة غريبة نقلتها لنا سامية النازحة في مخيم عبس للنازحين في محافظة حجة 190 كيلو متر شمال العاصمة اليمنية صنعاء، فهي لم تتجاوز الثامنة عشر من العمر ووفقا للأمم المتحدة فلا تزال طفلة، وتزوجت وهي في سن الثالثة عشر من العمر ووفقا للقانون اليمني لا تزال طفلة.
سمية مثلها مثل عشرات الفتيات النازحات اللواتي وقعن بين نارين، نار المخيم ونار غرفة الزوج الذي يكبرها سنا، تقول سمية أنها كانت صغيرة لم تكن تفهم شئيا ولم تكن تملك القرار وأن عمرها كان ثلاثة عشر عاما عند الزواج، وأن والدها قال لها ” تزوجي ” فوافقت، ولأنها صغيرة في السن لم تستمر كثيرا مع زوجها، فبعد عدة سنوات تطلقت ولم تكن وحيده فقد كانت سمية حامل و وضعت طفلها بعد الطلاق، تقول سمية أنها عانت كثيرا اثناء الحمل حيث كانت تشعر بأنها وحيده لا سيما انها تطلقت، وبعد الولادة اضطرت إلى العمل وهي لم تصل حتى للثامنة عشر من العمر لكي تنفق على نفسها وعلى والدها.

عقد نكاح شرعي

“لا يصح تزويج الصغير ذكرا كان أو أنثى دون بلوغه خمسة عشرة سنة” هكذا جاءت المادة رقم 15 من قانون الأحوال الشخصية اليمني رقم 20 لعام 1992 وتعديلاته، ومع ذلك فإن ظاهرة زواج الأطفال تنتشر في كثير من المحافظات اليمنية وصولا إلى مخيمات النازحين المنتشرة في العديد من المحافظات اليمنية لا سيما محافظة حجة، و لم تكن هذه المادة رادعا حقيقيا لمنع تزويج الفتيات القاصرات في اليمن، قبل سنوات كانت هذه الظاهرة قد بدأت بالتلاشي إلا أن الحرب وارتفاع معدلات الفقر والنزوح أعاد هذه الظاهرة من جديد إلى المجتمع اليمني وبشكل أكبر، علّ تزويج الفتاة يُخلص ولي أمرها من عبئها الاقتصادي والمالي.

في هذا التحقيق رصدنا خلال سنوات الحرب تزويج أكثر من 25 فتاة من النازحات في مخيمات النزوح بمحافظة حجة والتي تأوي أكثر من 150 ألف نازح ونازحة، جميع هؤلاء الفتيات تزوجن برجال يكبرنهن سنا، تسع منهن كن الزوجة الثانية و 16 منهن كن الزوجة الأولى، جميع تلك الزيجات توجت بإنجاب أطفال، وفي حين انتهت 8 منها بالطلاق لا تزال 17 زيجة مستمرة حتى اللحظة.

إنفوجرافيك

ضغوط للتخلص من عبئها

من بين تلك الفتيات النازحات في مخيمات عبس نادية محمد التي تقول إنها تزوجت تحت ضغط كبيرة من أهلها وهي في سن الخامسة عشر، تقول نادية أنها رفضت ذلك لكن دون أن يسمعها أحد، تضيف نادية التي لم تستمر كثيرا مع زوجها بأنه كان لديها طموح بأن تكمل دراستها المدرسية وصولا إلى الجامعية والتي انتهى بسبب زواجها في ذلك السن.

توجهنا إلى اتحاد نساء اليمن للحصول على احصائيات حول زواج القاصرات لا سيما الفتيات في المخيمات إلا ان ردهم كان بأنه لا توجد لديهم أي إحصائية حول ذلك، كذلك تواصلنا مع منظمة سياج لحماية الطفولة والذي سبق لهم أن أوقفوا العديد من تلك الزيجات قبل اتمامها، إلا انهم كذلك ليس لديهم أي حالات خلال سنوات الحرب الماضية.
وكذلك توجهنا إلى وحدة إدارة مخيمات النازحين في محافظة حجة للتعرف على دورهم الأكبر في مواجهة هذه الظاهرة إلا أننا لم نحصل منهم على أي رد حتى لحظة نشر هذا التحقيق

عقد زواج نادية

يشرح الدكتور عبد الكريم غانم خبير علم الاجتماع التبعات الاجتماعية لزواج الصغيرات لا سيما النازحات على مجتمع النازحين حيث يقول” يتمثل تأثير زواج القاصرات على المجتمع في ازدياد العنف ففي حين يتوقع الزوج أنه ارتبط بامرأة قادرة على القيام بمختلف المهام التي يتطلبها الزواج. قد يجد أمامه زوجة مراهقة يصعب أن تتوافق معه فيقدم على استخدام العنف معها”.
ويضيف الدكتور غانم” في هذه الحالة إما أن تتكيف الزوجة القاصرة مع هذا الوضع غير السوي وقد تبدأ بأنجاب أطفال ينشؤون في ظل العنف الذي يصبح جزء من الممارسات المعتادة في حياتهم بما يترتب عليه من انتشار للعنف داخل الأسرة وفي المجتمع”.
وقد يفضي العنف ضد القاصر المتزوجة إلى حدوث الطلاق بما يترتب عليه من تفكك أسري.
كما يؤدي زواج القاصرات إلى انقطاعهن عن الدراسة وحرمانهن من التعليم كما هو في حالات سمية ونادية وسعاد اللواتي كن يحلمن بمواصلة تعليمهن، وبالتالي يحول دون التحاق المتزوجات في سن مبكرة بسوق العمل وبذلك يخسر المجتمع جزء من القوى العاملة بما يعنيه ذلك من ارتفاع معدلات الأمية والفقر.”

تلاعب واخفاء بيانات

تقول اغلب النازحات اللواتي التقينا بهن، بأنهن تزوجن في سن مبكرة، وأن اولياء امورهن قاموا باستخراج بطائق شخصية لهن لاستكمال اجراءات الزواج امام الأمين الشرعي الذي يقوم بإجراء عقد الزواج من بين تلك الفتيات سعاد علي إحدى النازحات في مخيم الربوع في محافظة حجة، قالت بأنها تزوجت وعمرها 12 عاما فقط وتطلقت وعمرها خمسة عشر عاما.
انفصلت سعاد عن زوجها بعد أن انجبت طفلا واحدا تقوم بتربيته هي، تقول سعاد أنها عندما تزوجت لم تكن تقرأ وتكتب ولم تلتحق بالتعليم بسبب ظروف عائلتها ومن ثم ظروف النزوح الذي أجبرهم على تزويجها في سن مبكر، وبعد الطلاق التحقت سعاد ببرنامج محو الأمية وتعليم الكبار في المحافظة لتتعلم القراءة والكتابة، تقول سعاد أنها تعرضت للكثير من المشاكل الصحية أثناء زواجها لا سيما اثناء الحمل والولادة .
تقول سعاد وكذلك نادية بأن اولياء أمورهم قاموا بقطع بطائق شخصية لهم، وعندما ذهبوا لمصلحة الأحوال المدنية قاموا بتقديم اوراق تثبت بأنهن وصلن إلى سن الثامنة عشر من العمر بينما هن اقل من ذلك , حيث تثبت الأوراق الرسمية التي حصلنا عليها بأن هناك تناقض بين سن نادية في عام الزواج وتاريخ تقديم نادية لشهادة الثانوية العامة، كما أن عقد زواج سمية لم يتم فيه كتابة بيانات البطاقة الشخصية في خانة الزوجة وإنما تم استبدال ذلك بعبارة ” لا يوجد وعرف بدلها والدها ” وهو ما يتعارض مع القوانين اليمنية التي تلزم الأمين الشرعي او من يقوم بالعقد بكتابة بيانات الزوجة في عقد الزواج الشرعي وهو مالم يتم فعله في حالة سمية.

توجهنا إلى دائرة الأحوال المدنية في مديرية عبس بمحافظة حجة والتقينا بمدير الأحوال المدنية الرائد خالد مكين والذي تحدث بأنه لابد للفتاة التي تريد أن تحصل على البطاقة الشخصية أن يكون لديها وثائق تثبت عمرها وشخصيتها مع حضورها وحضور والدها , وعند سؤاله بأن هناك عدد من الحالات اللواتي التقينا بهن تحدثن إلينا بأنهن تفاجئن بأن لديهن بطائق شخصية، قال الرائد خالد ” أن هذا الكلام غير منطقي، إلا اننا تفاجئنا في عام 2020 بوجود عصابات تقوم بتزوير البطائق الشخصية في المنطقة وتم القبض عليهم وتحويلهم للقضاء، وأن هذه العصابات كانت تقوم بتزوير بطائق شخصية بشكل عام بما فيها الأعمار ”
كما قمنا بالتوجه إلى محكمة عبس والتقينا بالقاضي عبدالوهاب النجدي رئيس قلم التوثيق في المحكمة والذي تحدث بأنه منذ تعيينه في المحكمة بدأ بالتشديد على استكمال جميع بيانات عقود الزواج لا سيما البطاقة الشخصية ومن يحمل البطاقة الشخصية فهو في نظر القانون قد وصل للسن القانوني، وفي حالات النزوح يقول القاضي بأنه إذا لم تكن الفتاة تملك بطاقة شخصية فإنه يلزم كاتب العقد بأن تكون الفتاة معروفة لديه وبأنها تجاوزت السن القانوني الذي يسمح لها بالزواج بل ويجب حضورها امام كاتب العقد ليتأكد بأنها صالح للزواج، وأن اي أمين شرعي يقوم بتزوير بيانات الزوجة أو إبرام عقد الزواج دون تمام شروطه بما فيها بيانات البطاقة الشخصية سيتم محاسبته وفقا للقوانين النافذة وبتهمة التزوير.

طفلة نازحة في مخيمات محافظة حجة
صورة جوية لمخيم نازحين في عبس محافظة حجة
صورة توضيحية

تواصلنا عبر البريد الإلكتروني مع صندوق الأمم المتحدة للسكان في اليمن لمعرفة إذا ما كان لديهم أية بيانات حول تزويج القاصرات في مخيمات النزوح إلا أننا لم نتلقى منهم أي رد حتى لحظة نشر هذا التحقيق، كذلك تواصلنا مع المجلس الأعلى لتنسيق الشؤون الإنسانية في محافظة حجة لمعرفة الإجراءات التي يقومون بها لمواجهة ذلك، إلا أن ردهم كان ” بأن هذا الأمر ليس من اختصاصهم “.
تستمر الحرب في اليمن , ومعها يستمر النزوح إلى مخيمات النازحين، لتجد عشرات الفتيات اليمنيات انفسهن امام جحيمين، إما جحيم النزوح او جحيم الزوج الذي يكبرها سنا، وتصبح اما لأطفال تقوم بتربيتهم وهي لا تزال طفلة تبحث عن من يقوم بتربيتها.

الصور في التحقيق لـ : عيسى الراجحي