العدل بصوت امرأة

دكة – نورا الظفيري

” حاولت لمدة ثلاث سنوات دخول المعهد العالي للقضاء، باعتبار المعهد حينها كان مقصور على الرجال، وفي عام 2004م سمح لنا بالدخول في أول دفعة نيابات وكنت المرأة الوحيدة حينها التي سمح لها بالتأهيل والدراسة في المعهد.” تقول: القاضي الطاف سهيل رئيس نيابة (أ)، وأول يمنية ترتاد المعهد العالي للقضاء. وتتابع سهيل أن نظرة زملائها تفاوتت لوجودها ضمن الدفعة بين منكر وبين متقبل، حيثُ كان القاضي يحيى الجرافي عميد المعهد العالي للقضاء المتعين حديثًا حينها من ضمن المشجعين لها، وقد حصلت على المرتبة الأولى على دفعتها.

وخشيت سهيل من الميدان ونظرة الأشخاص واستنكارهم للمرأة القاضي وعضو النيابة مع العلم أنه كان يوجد في الميدان بعض السيدات اللاتي يعملن في نفس المجال واللاتي انتقلن من المحافظات الجنوبية بعد الوحدة. تعبر سهيل أنها فوجئت أن المواطن اليمني لم يستنكر القاضي المرأة كما صوره الكثير،” بل على العكس من ذلك كان الكثير يُسر عندما ننظر نحن القضية بل ونسمع إطراء للمرأة القاضي بشكل عام، عندها أدركت أن الشعب اليمني، شعب الملكة بلقيس بحكمته واقتداره.”

المرأة القاضي في مواجهة معلومات مضللة

تصف القاضي رغدة الأزرقي، رئيسة محكمة الأحداث بأمانة العاصمة ومحافظة صنعاء.، وأول قاضي امرأة تولت عمل القضاء الاداري في اليمن تجربتها بأنها تجربة فريدة ورائعة مثيرة مليئة بالتحديات والصعاب وإثبات الذات وتكللت بنجاح. وتتابع أن المعلومات المغلوطة والمضللة هي من أهم الصعوبات التي تواجهها المرأة في هذه المهنة، حيث تصنفها إلى ثلاث أنواع تتركز في الاولى معلومات دينية ويتم الاستدلال بها بشكل خاطئ مثل ” الرجال قوامون على النساء”،” لا يفلح قوم ولو أمرهم امرأة”، “النساء ناقصات عقل ودين وميراث”، فهذه النصوص يستدلون بها جمهور الفقهاء بأنه لا يصلح أن تتولى المرأة القضاء، في حين أنه لا يوجد نص شرعي قاطع يمنع تولي المرأة القضاء.

والثاني معلومات جسدية للمرأة وأنها عاطفية وأن ذلك يؤثر على إصدارها لأحكام، والنوع الثالث من المعلومات المغلوطة هو العادات والتقاليد والعرف الاجتماعي الذي حد من مشاركة المرأة اليمنية في الوظيفة العامة والخاصة في المجالات السيادية.

ومن جانبها تقول الطاف سهيل أن بتلك المعلومات المضللة يتناسى مطلقيها التجارب المضيئة للمرأة في التاريخ عند توليها زمام أي أمر تقوم به، وجديتها وعدم التهاون في أعمالها فضلًا عن أن القاضي المرأة تحكم بالقانون مثلها مثل الرجل كون المشرع اليمني شرع قوانين على القاضي العمل بها دون تشريعها، كما قنن الظروف المشددة والمخففة أي أن القاضي لا يشرع قانون أو عاطفة إنما يطبق ما تم تقنينه ويتقيد بحدوده. وتضيف سهيل “أن من يتجرد من عاطفته يتجرد من انسانيته، وليس معنى هذا الميل أو الحكم بالهوى.”

“المعلومات المغلوطة والمضللة هي من أهم الصعوبات التي تواجهها المرأة في مهنة القضاء”

تمكنها بجدارة

 رغم كل الصعاب والتحديات التي تعيق سير القاضي المرأة إلا أنها أثبتت جدارتها واستحقاقها تولي القضاء واستطاعت أن تتخطى مراحل وشروط الانتساب لمعهد القضاء المتشدد من حيث الاختبارات والمقابلات الشفهية والشخصية، ووصولها إلى المحاكم والنيابات وإصدارها أحكام لها حجية قوية أقيمت على أثرها العدالة بصوت المرأة.

وكأول قاضي امرأة في المحكمة الإدارية التي تم إنشائها في عام 2010، فأن القاضي رغدة هي خير برهان على إصدار أحكام لها الحجية والقوة، وقد أعيدت هيبة القضاء في عهدها، حيثُ أصدرت عدد من الأحكام في مواجهة السلطة التنفيذية ممثلة بقرارات جمهورية، ووزارات ومؤسسات حكومية، وكذلك السلطة القضائية ممثلة بالمجلس الأعلى للقضاء، واستطاعت أن تنصف بذلك الشعب والمواطن العادي.

غياب دون مبرر

 وفقاً لدراسة أعدتها منظمة سام للحقوق والتنمية تم توضيح بعض المعلومات المغلوطة والمضللة التي تواجه القضاة من النساء والتي تعرقل توليهن مناصب قضائية بارزة، حيث ان نسبة عدد القضاة من النساء لا تتجاوز 2%، ونسبة 98% عدد القضاة هي الرجال، في مرافق ومؤسسات القضاء، كما تبين انه لا يوجد أي امرأة في عدد من مرافق القضاء منها مجلس القضاء الأعلى، والمحكمة العليا والتفتيش القضائي والذي يعتبر من أهم مرافق القضاء.

كما تتركز القاضي المرأة في المحاكم والنيابات الابتدائية فقط، ولا تتولى رئاسة المحاكم عدا عدد قليل لا يتجاوز خمس قضاة من النساء فقط.

ومن جانبها تقول القاضي روضة العريقي رئيسة منتدى قاضيات اليمن، أنه لا يتم تمكين القاضي المرأة من المناصب العليا سواء كانت بمحاكم الاستئناف أو مجلس القضاء والمحكمة العليا والتفتيش القضائي، حيث يتم توزيع المناصب والترقيات دون معايير موضوعية، لأن الكثير من القضاة النساء تتوفر فيها الشروط ولديهن الكفاءة لشغل مثل تلك المناصب. وتتابع العريقي كما تُحرم القاضي المرأة من بعض الامتيازات الذي يحصل عليها القاضي الرجل مثل السيارات والمرافقين والسلاح الشخصي، رغم وجود رؤوسا محاكم من النساء إلا أنه يتم الرد عند المطالبة على سبيل المثال بسلاح شخصي أسوة بما يعطى لزميلها القاضي الرجل يقال” ما بتروحي تقاتلي القبائل” وهذا يدل على تأثير المعلومات المضللة على كيفية التعامل مع القاضي المرأة.

ومن جانبها تقول القاضي رغدة أنه لا يوجد تمثيل للمرأة في المناصب العليا رغم مطالبتهن وتقديم الاقتراحات بأنه يتم رفد هيئة التفتيش والمحكمة الاستئنافية بقضاة من النساء، ولكن دون استجابة لتلك المطالب، ولكن سوف يستمرون في المطالبة إلى أن يثبتن وجودهن من جديد.

“لا يتم تمكين القاضي المرأة من المناصب العليا سواء كانت بمحاكم الاستئناف أو مجلس القضاء والمحكمة العليا والتفتيش القضائي، حيث يتم توزيع المناصب والترقيات دون معايير موضوعية”

المعلومات المضللة تحرم القاضي المرأة من محاكم الجنائي الجسيم

من الملاحظ عدم تواجد القاضي المرأة في محاكم الجنائي الجسيم وهنا تقول القاضي رغدة:” أن عدم تواجد القاضي المرأة في المحاكم الجنائية الجسيمة إنما هو نتيجة حتمية للمعلومات المضللة عن المرأة، في حين لو تم تمكينها فأنها سوف تبرز وتثبت جدارتها كما برزت في بقية المحاكم المتخصصة”.

ويُرجِع القاضي أحمد الركن عدم تواجد القاضي المرأة في المحاكم جنائي جسيم إلى” صعوبة المهمة وعدم الخبرة، و مألوفية العمل لدى المجتمع ومشقة التعاطي مع الأطراف، علاوة على عزوف الزميلات عن تولي هذا النوع من القضايا ورغبتهن”.

ومن جهته يقول القاضي وليد العنسي أن “المذاهب كلها مجمعة عدا المذهب الحنفي على أنه يجوز للمرأة تولي القضاء، وتحكم في جميع القضايا إلا المذهب الحنفي الذي أجاز للمرأة أن تحكم في جميع القضايا باستثناء القتل والقصاص والحدود، العلة التي منع فيها المذهب الحنفي رحمة بالمرأة كون المرأة عاطفية (على حد قوله)، وفعلاً المرأة عاطفية وهذا فخر لها وليس مسبة لها”.

وتقول القاضي الطاف في هذا الجانب “أن القضاء مهمة صعبة للغاية تحتاج عزيمة ووقت ومطالعة مستمرة، ويوجد احجام بعض الشيء لدى المرأة عن تولي القضاء الجنائي لا سيما ولازالت عقلية المشيخة والتطاول على القضاة لازالت موجودة، خاصة مع ما تعرض له القاضي الرجل من خطف واعتداء، ومن ثم من الطبيعي أن يكون هناك بعض الاحجام، إلا أنه مع التشجيع والمساندة قد لا يكون هناك أي تردد، كما أن قيادات السلطة لا يشجعون المرأة على ذلك.”

وتتابع أن هذه ليست مشكلة وطنية بل عالمية وقد تضمن التقرير الأممي السابق الإشارة إليه العديد من الأساليب المشجعة والمحفزة للمرأة في مجال القضاء الجنائي.  وتحكي القاضي روضة عن تجربتها في محاولة لدخول محكمة الجنائي الجسيم أنه لا يوجد مانع قانوني يعيق تقدمها وفي عام 2014، كان في مكان شاغر في المحكمة الجنائي الجسيم، حيث تقدمت بطلب لشغل المكان الشاغر، ولكن حصلت ممانعة من قبل القاضي رئيس المحكمة”.

 “القضاء مهمة صعبة للغاية تحتاج عزيمة ووقت ومطالعة مستمرة، ويوجد احجام بعض الشيء لدى المرأة عن تولي القضاء الجنائي لا سيما ولازالت عقلية المشيخة والتطاول على القضاة لازالت موجودة”

كيف ينظر المتقاضين للقاضي المرأة؟

 نزلت معدة التقرير إلى محكمة غرب الأمانة لاستطلاع رأي جمهور المتقاضين حول نظرتهم لتولي المرأة للقضاء، وكانت ردود تدل على مدى الوعي لدى المتقاضي في تواجد المرأة في سلك القضاء.

يقول عبد الله صالح” كنت أتمنى تمسك قضيتي قاضي امرأة لأنها أكثر دقة والتزام في تطبيق القانون، كما ان المرأة في أي مجال تتواجد فيه تضرب أروع الأمثال في الكفاءة والجدارة”. أما المتقاضية فتحية أحمد” فقالت “ا أفضل تمسك قضيتي قاضي امرأة لأني سأكون مرتاحة وأنا أتحدث معها بكل ما حدث، دون أحراج”.

ويقول شكري البعداني” بالنسبة لي سواء قاضي رجل أو قاضي امرأة فلا يوجد فرق طالما أنه قاضي معتمد وعنده الكفاءة فلا حرج في ذلك، وفي حالة تسلم قضيتي لقاضي امرأة فهذا يسرني، ولا يوجد لدي أي مشكلة أهم شيء قاضي نزيه يحكم بالعدل”. بينما يقول هاني زاوية” أن القاضي امرأة كان أو رجل فهو يطبق قانون مكتوب أمامه ويحكم به ولا فرق بينهما”.ويتفق علي محسن الذرحاني مع الزاوية في أن القضاة كلهم واحد لأنهم جميعاً يطبقوا القانون. ويختلف عادل مدهش عن الجميع ويقول” أفضل قاضي رجل أما المرأة تجلس في البيت “قال وقٌرن في بيوتكن”.