ذوي الإعاقة، ندبات الحرب المهملة

عيسى الراجحي – علياء يوسف

” كنت نائمة حين أُصبت بالشظية، ولم أشعر إلا والدماء تنزف من ساقي، والشظية مغروسة فيها” تستذكر أمل حسين ٢٣ عامًا، من أبناء مديرية حيران بمحافظة حجة، ما جرى لها قبل أربع سنوات، تقول أمل، ضربت قوات التحالف قذيفة مدفعية بجوار منزلنا وأُصبت بالشظية، حينها اشتدت المعارك ولم يتم إسعافي لأي مكان وظلت قدمي تنزف والشظية فيها ليومان، دون أن أتلقى أية مساعدة طبية، بسبب وقوع منزلنا في منطقة مواجهات مسلحة. تلقت أمل بعد ذلك الإسعافات الأولية في أحد المراكز الصحية، قبل أن تنزح وعائلتها إلى منطقة عبس، وهناك تلقت مساعدات طبية ساعدتها على إخراج بقايا الشظية وتلقي العلاجات الأولية.  

أصيبت أمل في قدمها اليسرى ما تسبب لها بإعاقة دائمة تعجز من خلالها عن الحركة، وتفتقر إلى أبسط المساعدات الطبية التي من شأنها مساعدتها في تجاوز ما مرت به، تتحدث إلينا بعبرة عن سوء الحالة الاقتصادية والصعوبات التي واجهتها أثناء البحث عن العلاج وفي حصولها على أدوات تساعدها على المشي، تقول “لا يوجد من ينظر إلينا”   

نظرت إلى قدمي ولم اجدها” ثم يكمل كنا نايمين وفجأة تعرض منزلنا للقصف من الطيران، وأحسست برجلي مشدودة وغير قادرة على الحركة، “نظرت إليها وكانت مقطوعة”. 

يفتقد إسماعيل عبد الله ١٤ عامًا، هو الآخر إلى قدمه، ويتحسس طرفه الصناعي الذي يرافقه منذ ثلاثة أعوام، وبنظرات تحمل في طياتها الكثير من الأسئلة، يقول واصفًا ما حدث معه في العام ٢٠١٦،” نظرت إلى قدمي ولم اجدها” ثم يكمل كنا نايمين وفجأة تعرض منزلنا للقصف من الطيران، وأحسست برجلي مشدودة وغير قادرة على الحركة، “نظرت إليها وكانت مقطوعة”. 

تبدأ حكاية إسماعيل حين نزح مع عائلته من مدينة حرض _ شمال غرب اليمن على الحدود اليمنية السعودية _ بسبب غارات طيران التحالف المستمر على المدينة، لينتقل إلى منزل خاله في مثلث عاهم والذي تعرض للضربة الجوية. ظل إسماعيل طريح فراشه بعد نزوحه وعائلته إلى أحد مخيمات النزوح لعامين قبل أن يحصل من خلال منظمة محلية على طرف صناعي، والذي لم يستمر معه طويلًا، فبعد ثلاثة أعوام أصبح إسماعيل يبحث عن طرف آخر يتلاءم مع قدمه وعن أدوية وأدوات تساعده في تجاوز إعاقته، ولكن لا مجيب. 

مواد قانونية على الورق 

ينص القانون اليمني على أن لأمل وإسماعيل الحق في الحصول على الرعاية الصحية والاجتماعية المستمرة من قبل الدولة حيث نصت المادة العاشرة والثالثة عشر بتصرف من القانون رقم 61 لسنة 1999 بشأن رعاية وتأهيل المعاقين، على مراعاة حركة وسلامة المعاقين عند إقامة الطرق والمنشآت وتوفير الوسائل الإرشادية لذلك، وأنه على وزارة الصحة العامة والسكان توفير الأجهزة التعويضية والأطراف الصناعية والعمل على إنشاء ورش لعمل لذلك. بالإضافة إلى قرار إنشاء صندوق رعاية وتأهيل المعاقين والذي كفل تقديم الخدمات الطبية والاجتماعية والتأهيلية للأشخاص ذوي الإعاقة، إلا أن أمل وإسماعيل وبرفقة خمسين حالة رصدها معدا التقرير لا يتلقون أي رعاية صحية تذكر إضافة إلى عدم تقديم الأجهزة التعويضية وتقديم الخدمات الاجتماعية والتأهيلية، وعدم توافق أو ملائمة المنشآت والمرافق العامة في مخيمات النزوح لوضعهم الصحي.

 يحصل البعض من هؤلاء وبنسبة لا تتجاوز 2٪ على أطراف صناعية من قبل بعض مشاريع المنظمات في محافظة حجة، ويضطرون للسفر إلى العاصمة صنعاء للحصول على الطرف الصناعي، فيما يشتكي أطفال منهم على عدم ملائمة هذه الأطراف بعد مرور أعوام على تركيبها، بسبب نمو الشخص، وعدم استمرارية تلقي الادوية والأجهزة التعويضية، يحرم البقية من الحصول على هذه الأطراف لعدة أسباب، تتلخص جميعها في إهمال الجهات المعنية لهذه الفئة.

 “الدولة لا تنظر إلينا” 

بينت عملية الرصد التي شملت ٥٠ حالة من معاقي الحرب في مخيمات النزوح بمحافظة حجة إلى أن ما نسبته ٧٢٪ من الحالات لديها إعاقة في أحد الأطراف، وأن ٣ ٪ لديهم إعاقة بصرية أو سمعية، ومن يحملون إعاقة مزدوجة في الأطراف وصل إلى ١٨٪، وأن من لديهم إعاقة حركية كاملة أو نصفية وصل إلى ١٤٪، واتضح من خلال عملية الرصد أن جميع المرافق والمنشآت في مخيمات النزوح والمدن التي تتواجد فيها هذه المخيمات بمحافظة حجة لا تلائم احتياجات المعاقين، مثل دورات المياه والمرافق الصحية والسلالم  والطرق المؤدية من وإلى مخيمات النزوح، وغيرها من المنشآت.

“حاولت العمل في أكثر من مجال واضطررت للتسول في بعض الأوقات من أجل أن أستطيع توفير ولو جزء بسيط من أدوية طفلي، قدمت للكثير من المنظمات وصندوق المعاقين ورجال الأعمال ولكن لا فائدة”

 ومن خلال عملية الرصد كشف معدا التقرير أنه من أصل الـ 50 حالة لم يتلقى الدعم من خلال المنظمات العاملة ووزارة الصحة العامة والسكان وصندوق رعاية وتأهيل المعاقين سوى أربع حالات، ولمرة واحدة فقط، فيما يجد الآخرون أنفسهم في جحيم لا يقل ذعرا عن جحيم الحرب. يقول سالم علي وهو والد لأحد المعاقين بسبب الحرب، أن الدولة لا تنظر إليهم، ولا تقدم المساعدات العلاجية نهائيًا، ويضيف أن طفله يبلغ من العمر 12 عامًا ويعيش اليوم طريح الفراش، وقال حاولت العمل في أكثر من مجال واضطررت للتسول في بعض الأوقات من أجل أن أستطيع توفير ولو جزء بسيط من أدوية طفلي، قدمت للكثير من المنظمات وصندوق المعاقين ورجال الأعمال ولكن لا فائدة، قالها باكيًا. 

الجهات الرسمية عاجزة!! 

يرجع الدكتور أحمد الكحلاني مدير مكتب الصحة العامة بمحافظة حجة السبب وراء زيادة أعداد المعاقين الغير مستفيدين من برامج الوزارة والمنظمات العاملة في المحافظة إلى عدم توفر مركز للعلاج الطبيعي والأطراف الصناعية وعدم توفير العربات والعكازات وغيرها من المستلزمات التي يحتاجها المعاقين، إلى جانب ضعف استجابة شركاء العمل الإنساني في إشارة منه إلى المنظمات الدولية العاملة في اليمن، وأضاف أن المكتب لديه خطة ورؤية لأجل ذلك وفي انتظار توفر الدعم الكافي من قبل الجهات المعنية. وواضح الكحلاني إلى ارتفاع أعداد المعاقين بسبب الحرب في اليمن بزيادة وصلت إلى ٩٠٪ مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب. وقال ان هناك نسبة كبيرة من المعاقين من الأطفال والنساء وكبار السن وجلهم يسكن في مخيمات النزوح بالمحافظة.

قبل ثلاثة أعوام، كان موعدي بعد شهرين، المنظمة أخذت لقطة جماعية ولازلت في انتظار قدومهم!

معدا التحقيق قاما بزيارة إلى 13 مخيم للنزوح من أصل 580 مخيم وتجمع سكاني، تقيم فيها أسر نازحة بمحافظة حجة، واتضح أن غالبية من يعانون من إعاقة تسببت بها الحرب، والذي قد يصل عددهم إلى ثلاثة الف معاق، في تقدير مسح ميداني ومعلومات من أكثر من جهة وصلت إلى معدا التقرير، مع غياب إي إحصائية رسمية بذلك، لا يتلقون أي مساعدات خاصة بالإعاقة، وأنه عند قدوم الجهات ذات العلاقة ومنظمات دولية أو محلية إلى هذه المخيمات لغرض مشاريع مرتبطة بتقديم خدمات ومساعدات لذوي الإعاقة، يقتصر تقديمها على عينة بسيطة منهم، و تقتصر هذه المساعدات على تزويد الشخص المعاق بطرف صناعي أو كرسي متحرك، وعكازات، مع عدم استمرارية تلقي الدعم أو المساعدة الطبية بعد ذلك. ويشتكي معاقي هذه المخيمات من الوعود التي حصلوا عليها مسبقًا من قبل الجهات الرسمية والمنظمات العاملة بحصولهم على أدوية ومستلزمات مساعدة لإعاقتهم، لا أنهم يعودون دائما بخفي حنين. يقول أحدهم أنه في إحدى المرات تم زيارة المخيم الذي يقيم فيه وتسجيل قائمة بأسماء المعاقين لمساعدتهم وتقديم الأطراف والأجهزة التعويضية لهم، وتم تحديد قائمة الانتظار بحيث يتم تقديم المساعدات على دفع، ويضيف كان هذا قبل ثلاثة أعوام، وكان موعدي بعد شهرين، يقول ان المنظمة أخذت لهم لقطة جماعية ولايزال في انتظار قدومهم!

المنظمات المحلية، بصيص أمل 

لا تختلف محافظة حجة عن باقي المحافظات اليمنية الأخرى، فالأمر يتشابه كثيرًا فيما يخص تجاهل وإهمال معاقي الحرب في محافظات تعز ومأرب وباقي المحافظات، يقول مثنى غالب من أبناء محافظة تعز، انه فقد قدميه بسبب قصف مدفعي على المدينة والذي تضرر منه منزله بشكل مباشر وأدى إلى وفاة زوجته وفقدانه لقدميه،” أحنا أكثر ناس تضررنا بالحرب، اللي مات مات بس أحنا نموت كل يوم”  يقول ايضًا انه ذهب إلى الكثير من المنظمات والمراكز الحكومية التي تقدم خدمات للمعاقين، ولم يستطع الحصول على أي مساعدة طبية أو أجهزة تعويضية، وانه حتى المعاقين من قبل الحرب توقفت عنهم الخدمات المقدمة من قبل هذه المراكز والجمعيات، وأضاف انه حالته الاقتصادية لا تسمح له بالحصول على الأدوية والأدوات المساعدة بشكل مستمر وهو حال غالبية معاقي الحرب، “الدولة ما اهتمت بالأصحاء، عادها تهتم بالمعاقين” 

 

“الدولة ما اهتمت بالأصحاء، عادها تهتم بالمعاقين” 

الكثير من المنظمات لا تعير قضايا المعاقين الكثير من الاهمية، خلال بحثنا في هذا التقرير تبين لنا أن جهود المنظمات مقتصر على بعض المهام اللحظية والتي غالبها ما يكون من مشاريع بسيطة تهتم بتوزيع المساعدات والأدوية وفي بعض الأوقات التكفل بالأطراف الصناعية والأدوات المساعدة، وتقتصر هذه المهام على المنظمات المحلية، ليظل ذلك بصيص الأمل أمام المعاقين.

قمنا بزيارة إلى صندوق رعاية وتأهيل المعاقين بمحافظة حجة للحصول على توضيحات فيما يخص حال المعاقين بسبب الحرب بالمحافظة، ألتقينا يحيى النعمي مدير صندوق رعاية وتأهيل المعاقين، والذي أكد أن حال المعاقين في المحافظة محرج جدًا، وقال إن الحرب وضربات الطيران على المواقع المدنية الآهلة بالسكان تسبب في زيادة إجمالي المعاقين بالمحافظة، حيث وصل عدد المعاقين إلى 32421 من ذوي الإعاقة الحركية والحسية والإعاقات العقلية. وأضاف النعمي أن خدمات الصندوق الطبية وفيما يخص تقديم الأدوات المساعدة لذوي الإعاقة والخدمات التأهيلية والتعليمية تدهورت بشكل كبير بسبب الحرب الدائرة، وان الصندوق الآن يعاني من نقص او شحة في الموارد والإمكانيات ما انعكس على الخدمات والمساهمات التي يقدمها الصندوق، حيث أشار أن الصندوق يتلقى ما نسبته 5% فقط من الدعم المقدم من المركز الرئيسي. 

وقال مدير صندوق رعاية وتأهيل المعاقين، أن المنظمات العاملة في المحافظة يقتصر دورها على الترويج الإعلامي والاحتفالات الخاصة بذوي الإعاقة مثل اليوم العالمي للمعاق، لتحسين صورتها أمام الراي العام، وأضاف انها تفتقر إلى تقديم الخدمات الفعلية التي يحتاجها الأشخاص ذوي الإعاقة مثل الحصول على الدعم النفسي والتأهيل الاجتماعي وتقديم المساعدات الطبية والأدوات المساعدة.

تقارير تبرز الكارثة. 

منظمة العفو الدولية قالت في تقرير لها تحت عنوان ” مستبعدون.. حياة الأشخاص ذوي الإعاقة وسط النزاع المسلح في اليمن” أن الأشخاص ذوي الإعاقة من أكثر الفئات التي تتعرض للتهميش في اليمن خلال النزاع المسلح الحالي، وأنهم يعانون من صعوبات في حصولهم على المساعدات والتأهيل وإعادة دمجهم في برامج المساعدات الإنسانية، وأشار التقرير أن الكثير من حالات الإعاقة تسبب في نزوح ذوي الإعاقة وتدهور وضعها الصحي. 

الاتحاد الوطني لجمعيات المعاقين في اليمن أشار هو الآخر في تقارير ولقاءات سابقة إلى تدهور الوضع الصحي والاجتماعي للمعاقين بسبب الحرب وأن إجمالي حالات الإعاقة وصلت إلى 92 ألف معاق في إحصائية قابلة للزيادة بشكل مستمر. حاولنا التواصل مع جهات رسمية ومنظمات محلية ودولية عاملة في اليمن وتعتبر دعم ورعاية وتأهيل المعاقين ضمن اختصاصها، إلا اننا لم نتلق ردودا منهم حتى لحظة نشر هذا التقرير. 

 

حال الكثير يتشابه مع أمل وإسماعيل، في ظل حرب لازالت تحصد الأرواح والأطراف ولسان حالها، هل من مزيد؟، في ظل غياب تامً لدور وزارة الصحة العامة والسكان وصندوق رعاية وتأهيل المعاقين وجمعيات ومراكز ومنظمات مهتمة، وأعداد تزداد كل يوم. يفكر إسماعيل في طرف يقوده إلى الحلم، وتبحث أمل عن دواء يفقدها الإحساس بما فقدت. ويحمل الآلاف من ذوي الإعاقة في صنعاء ومأرب وتعز وعدن وحجة ومدن أخرى، ندبات هذه الحرب على أجسادهم، وكأنهم ذكرى لها…

 

  • صورة الغلاف من موقع اللجنة الدولية للصليب الأحمر