على دروبِ الموتِ: رحلةُ المسافرينَ في اليمن

دكة - هشام المخلافي 

 

في بلادٍ أنهكها النزاع، تُصبح أبسط الأمور مغامرةً محفوفةً بالمخاطر. فبين وحوش البر التي تُهدد سلامة المسافرين بقوة السلاح، ووحوش الطرق المُغلقة التي تُعيق حياتهم، يجد اليمنيون أنفسهم في رحلةٍ لا تنتهي من المعاناة.

في خضمّ هذه المأساة، يُناشد اليمنيون جميع الأطراف المُتقاتلة بفتح الطرق الرئيسية، ووقف عبثهم بحياة المواطنين. فالحياةُ كرامةٌ، والطرقُ حقٌّ للجميع، لا يجوز لأحدٍ المساس به، "لا تُغلقوا الطرق، فأنتم تُغلقون الأبواب أمام الأمل!"

 

"أغلقوا الطرق الرئيسية، ففتحوا أبواب الجحيم!" هكذا يصرخ أحد المواطنين، وهو يُحاول عبور طريقٍ وعرةٍ مليئةٍ بالأحجار والحفر. رحلةٌ تستغرق ساعاتٍ طوالاً، بديلاً عن طريقٍ سريعٍ كان يُمكنه عبوره في دقائق.

 

في اليمن، حيث تتراقص ملائكة الموت على نغمات الحرب، يُجبر المواطن على خوض مغامرة جديدة كل يوم، مغامرة البقاء على قيد الحياة. فبين جبهات القتال ووعورة الطرق، يُجبر على سلوك طرق وعرة وخطيرة وطويلة، هربًا من جحيم الحرب وبحثًا عن لقمة العيش.

 

تعز، المدينة المُحاصرة

 

تُطلّ تعز، شامخةً بِهُويّتها اليمنية الأصيلة، من بين جبالها الشامخة، لكنْ حصارٌ خانق يلفّها، يضيّق عليها خياراتها، ويُجبرها على سلوك دروبٍ محفوفة بالمخاطر. فطُرقها الرئيسية مُغلقة، ومعابرها مُحاصرة، وكأنّها جزيرة معزولة عن العالم.

"كأنّ الحرب لم تكن كافيةً، فجاء إغلاق الطرق ليُكمل مسلسل المآسي!" يقول أخر، وهو يُكاسر مقود سيارته لعبور طريقٍ جبليٍّ خطرٍ. رحلةٌ تُشكل تهديدًا على حياته، هو ورفاقه، فقط للوصول إلى وجهتهم.

طريق

 

طرق الموت: رحلةٌ تُضاهي ملحمةً

 

من منطقة الحوبان، بوابة تعز الجنوبية والشرقية، تبدأ رحلةٌ تُضاهي ملحمةً. فطريقُها، المُعروف بـ"طريق الموت"، يُطلّ على منحدراتٍ مُرعبة، تُهدّد حياة المسافرين في كلّ لحظة. انهياراتٌ صخرية، وقطاع طرق، وحفرٌ ومطباتٌ، تُشكّل فخاخًا تُعَرّض حياة المسافرين للخطر. رحلةٌ تستغرقُ أكثر من ستّ ساعات، تُقضّى في خوفٍ وترقّبٍ، لا ينتهي إلاّ بوصولِ المسافر إلى وجهتهِ سالمًا.

 

طريق تعز- عدن: حكايةٌ أخرى من المعاناة

 

لا تختلفُ رحلةُ المسافرين عبر طريق تعز- عدن عن سابقتها، بلْ هي حكايةٌ أخرى من المعاناة. فطريقُ سائلة ونقيل القبيطة، طريقٌ وعِرٌ، مليءٌ بِسياراتٍ وشاحناتٍ مُعطّلة، ومشاهدِ أكشنٍ تُشبهُ أفلامَ الرّعب. انحداراتٌ مُرعبة، وحفرٌ ومطباتٌ، تُقاذفُ المسافرين في رحلةٍ تُنهكُ أجسادهم، وتُرهقُ أعصابهم.

 

"الوقتُ مالٌ، والحياةُ أغلى!" هكذا يُعلق أحد رجال الأعمال، وهو يُفكر في الخسائر التي يُمنى بها بسبب إغلاق الطرق. رحلةٌ تستغرق أيامًا، بديلاً عن ساعات، تُعرقل عمله وتُهدد مستقبله.

 

لا تقتصرُ معاناةُ المسافرين على صعوبةِ الطرقِ ومخاطرها، بلْ تُؤثّرُ بشكلٍ سلبيٍّ على جميعِ أوجهِ الحياةِ في تعز. فوقتُ الرحلةِ الطويلُ والرسوم الجمركية يُعيقُ حركةَ التجارةِ والتنقلِ بينَ المدينتينِ، ممّا يُؤدّي إلى ارتفاعِ تكاليفِ النقلِ بشكلٍ كبيرٍ، ويُثقلُ كاهلَ المواطنين، خاصّةً ذوي الدخلِ المحدود.

 

تعز، الحديدة، مأرب: حكاياتٌ من الألمِ والمعاناة

 

لا تقتصرُ معاناةُ الطرقِ على تعز وحدها، بلْ تُعاني جميعُ المدنِ اليمنيةِ من نفسِ المشكلة. فطرقُ الحديدةِ الرئيسيةِ مُغلقةٌ، ووصولُ المساعداتِ الإنسانيةِ إليها شبهُ مستحيلٍ، ممّا يُؤدّي إلى تفاقمِ الأزمةِ الإنسانيةِ في المدينة.

أمّا مأرب، آخرُ معاقلِ الحكومةِ اليمنيةِ في شمالِ اليمن، فطرقُها الرئيسيةُ مُغلقةٌ أيضًا، ممّا يُؤدّي إلى صعوبةِ وصولِ البضائعِ إليها، ويُجبرُ سكانها على سلوكِ طرقٍ صحراويةٍ طويلةٍ ومليئةٍ بالمخاطر.

رحلةُ المسافرينَ في اليمنِ ليستْ رحلةً عاديةً، بلْ هي رحلةٌ عبرَ دهاليزِ الموتِ، رحلةٌ تُضاهي ملحمةً، رحلةٌ تُؤثّرُ على جميعِ أوجهِ الحياةِ في البلاد. رحلةٌ تُنذرُ بكارثةٍ إنسانيةٍ مُحقّقةٍ، إذا لم يتمّ فتحُ الطرقِ الرئيسيةِ، والسماحُ بِحريةِ التنقلِ بينَ المدنِ اليمنية.

 

"أين الرحمة؟ أين الإنسانية؟" هكذا يتساءل الجميع، وهم يرون أطفالًا يُعانون من مشقة الرحلات الطويلة، ومرضىً يُحرمون من العلاج، وعائلاتٍ تُفرقها الطرق المُغلقة.

 

هكذا هي رحلة المواطن اليمني في ظل الحرب، رحلة بلا نهاية، رحلة عبر "مغامرات اليمن السعيدة". رحلة تُجبره على سلوك طرق وعرة وخطيرة وطويلة، هربًا من جحيم الحرب وبحثًا عن لقمة العيش.

وفي ظل هذه الظروف، يُطالب المواطن اليمني أطراف النزاع بفتح الطرق الرئيسية بين المحافظات، ورفع الحصار عن المدن، ووقف الحرب العبثية التي تُدمر اليمن وتُهدد حياة الملايين من البشر.

 

365