"المادة 59: عُنف مُقنّن" - كيف يقتل الآباء بناتهم في اليمن دون عقاب؟

 

تحقيق - محمد الحسني

 

بالقرب من مدينة إب، وسط اليمن، قضت عفاف خالد 14 عامًا من عمرها على يد والدها، الذي اتهمها لاحقًا بالفجور وجرائم الشرف. وُجدت عفاف، حسب قول والدتها (أمنة) مرمية خلف منزل والدها، وعليها كدمات زرقاء ناتجة عن الضرب والتعنيف موزعة على جسدها، قبل أن يتم خنقها وتفارق الحياة. وبسبب اتهام والدها لها دون أي دليل مادي بالفجور وجرائم الشرف، لجأ القضاء إلى المادة القانونية رقم 59 و233 من قانون الجرائم والعقوبات، ليقضي ببراءة والدها من تهمة القتل والتعنيف، واكتفى بسجنه أربعة أشهر للتعزير، لتُغلق القضية هنا.

يمارس والدها (القاتل) حياته اليوم بصورة طبيعية، بينما لا تزال والدتها تبحث عن حق ابنتها الذي أضاعه القانون. تقول والدتها المطلقة منذ سبع سنوات، أن ابنتها كانت متعلقة بها، وهو الأمر الذي أثار حفيظة والدها وتسبب في تعنيفها أكثر من مرة، ليصل بها الأمر في النهاية إلى القتل. وأضافت أن والدها كان يتهمها عند قدومها لزيارتها، بأنها تجالس أولاد زوجها الأخير، ويلفظ عليها أكثر من مرة بألفاظ وشتائم تمس شرفها. كما ذكرت أن عفاف كانت في حالة نفسية سيئة بسبب تعامل والدها معها وتعنيفها اللفظي والجسدي، وأنها فكرت أكثر من مرة بالهرب أو الانتحار بسبب ذلك.

تقول الأم: "ابنتي شريفة". والقضاء لم يكلف نفسه عناء تشريح الجثة، والتأكد من عذرية عفاف، والتحقيق مع أخواتها وجيرانها. "الكل يعرف ابنتي وأخلاقها وسوء معاملة والدها لها". وأضافت: "يجب أن يكون القانون والقضاء منصفين لعفاف ولغيرها في مثل حالتها. لا يعقل أن يعيش القاتل بهذه الرفاهية، بينما أنا وأخواتها نموت كل يوم".

 

 

قانون مجحف، وأحكام قبلية سائدة

 

لم تتمكن الأم من استكمال حديثها مع معد التحقيق (خنقتها العبرة) لتصبح عفاف حالة جديدة من بين 39 حالة رصدها التحقيق لفتيات تعرضن للقتل أو الإعاقة الناتجة عن التعنيف من قبل أولياء أمورهن أو ذويهن، ولم يحصلن على حقهن من القانون اليمني بسبب تفسيرات خاطئة وقصور توضيحي في مواد قانون الجرائم والعقوبات رقم 12 لسنة 1994 وتعديلاته، الذي نص في مواده على أنه في حال قيام الأصل (الوالدين، الأجداد) بالاعتداء بالقتل أو التعذيب على الفرع (الأبناء، الأحفاد) فإن القانون لا يحكم بالقصاص وإنما بالدية أو الغرامة والتعزير في حالات محددة، وبحد أقصى 3 سنوات في حال القتل.

رصد التحقيق 39 حالة خلال الفترة من يناير 2012 وحتى ديسمبر 2023، وتوزعت الحالات في عموم محافظات الجمهورية.

ووفقًا للحالات المرصودة، فإن 28 حالة تعرضت للقتل أو إصابة أدت لاحقًا إلى الموت، بينما تعرضت 11 حالة للإعاقة الدائمة أو عاهات مستديمة بسبب التعنيف من قبل ذويهم. وبحسب العينة، فإن 34 حالة كانت لإناث، بينما 5 حالات فقط للذكور. وعن الفئة العمرية التي كانت أكثر عرضة لهذه الحوادث، فإن الفتيات من عمر 8 سنوات وحتى 19 سنة كنّ أكثر الفئات تعرضًا لحوادث القتل عن غيرها.

وبخصوص الأسباب التي أدت لهذه الحوادث، شكّلت الخلافات الزوجية والمشاكل العائلية ما نسبته 59% من إجمالي العينة المرصودة، تليها جرائم الشرف والعقوق والظروف الاقتصادية والحالة النفسية للأصول.

وبحسب العينة، لم تصل 8 حالات إلى القضاء وتم البت فيها عن طريق الأعراف المتداولة وبطرق غير قانونية، وحصل مرتكبو هذه "الجرائم" على براءة وأحكام قبلية. بينما وصلت 31 حالة إلى القضاء، استطاعت 5 منها أن تشكل قضايا للرأي العام. ومن إجمالي العينة المرصودة، حصلت قضية واحدة على حكم بالإعدام والتعزير، وهي قضية "النعامي، قاتل بناته الثلاث".

 

 

المادة 59: لا يقتص من الأصل بفرعه، وإنما يحكم بالدية والارش بحسب الاحوال.

 

المادة 233 :  إذا اعتدى الأصل على فرعه بالقتل أو الجرح، فلا قصاص وإنما يحكم بالدية والارش، ويجوز تعزير الجاني في هذه الحالة بالحبس مدة لا تزيد عن ثلاثة سنوات أو الغرامة في القتل، ومدة لاتزيد عن ثلاثة أشهر أو الغرامة في الجرح، ما لم يحصل العفو.

 

 

غيبت هذه المواد القانونية الكثير من القضايا عن تحقيق العدالة لضحاياها. حيث تشير 11 حالة من أصل 39 حالة رصدها التحقيق إلى أن القتل أو الاعتداء بدافع جرائم الشرف كانا كيديّين ولم تستوفيا الشروط والقرائن القانونية والشرعية لإثبات هاتين الجريمتين. وأسفرتا عن مقتل 7 حالات وإصابة 4 حالات بإعاقات وعاهات خطيرة.

 

 

 

 

 

ثغرات قانونية لحماية المذنبين

 

 

تواصلنا مع مجموعة من المحامين للحصول على آرائهم القانونية بخصوص المواد القانونية (59 - 233). اتّضح من خلال آرائهم مجتمعة، وجود قصور وثغرات في هذه المواد، مما جعلها سبيل نجاة للكثير من القتلة والمذنبين. كما أنّ استغلال محاميي المدعى عليهم لهذه المواد أمام القضاء حوّلها إلى أداة لحماية المذنبين بدلاً من العدل.

يُشير المحامي خالد الاكوع، عضو اتحاد نساء اليمن، إلى أنّ هذه المواد بحاجة إلى توضيح وتفسير، كما تتطلب تعديلات قانونية. ففي الشريعة الإسلامية، لا يجوز القصاص في حالات القتل غير المقصود أو الناتج عن خطأ من قبل الوالد أثناء التربية أو العمل، على سبيل المثال. أما في حالات القتل مع سبق الإصرار والترصد، كما في الحالات التي عُرضت على القضاء والتي وصل بعضها إلى الرأي العام، فإنّ الجزاء هو القصاص بالإعدام أو الدية المغلظة بحسب القرائن المعروضة.

ويُسَلّط الاكوع الضوء على قصة فتاة تبلغ من العمر 13 عامًا تعرّضت للسجن والتعذيب لمدة خمسة عشر يومًا قبل أن يتم قتلها على يد والدها. يرى الاكوع أنّ قتل الفتاة يُصنف كجريمة قتل متعمد، إلا أنّ القضاء وقف عاجزًا أمام المادة القانونية رقم 59 ليُصدر حكمًا ببراءة الوالد.

يُضيف الاكوع أنّ النصوص القانونية في قانون العقوبات تنصّ صراحةً على الإعدام لكل من يقتل نفسًا معصومة عمدًا. إلّا أنّ وجود ثغرات قانونية تُحفّز على قتل الآباء لأبنائهم وتُساعدهم على الإفلات من العقاب.

ووفقًا للمادة 59 من القانون، تُحوّل جريمة القتل إلى جريمة غير جسيمة تقبل الدية والارش. "وهذه المواد تحرم الضحايا من العدالة والإنصاف".

 

 

القانون حاميًا للقاتل؟

                                   

حددت دراسة ميدانية لأستاذ الفقه المقارن بقسم الدراسات الإسلامية بجامعة صنعاء كوثر المخلافي و بالتشارك مع الدكتور علي الطارق أستاذ علم النفس بجامعة صنعاء، اتجاهات المجتمع اليمني حول ظاهرة قتل الوالد لولده من المنظور النفسي والقانوني والديني.

وقالت الدراسة أن اسباب قتل الآباء لأبنائهم تتركز غالبًا حول قضايا العقوق وجرائم الشرف والظروف الاقتصادية والنفسية " وأسباب اخرى وصفتها الدراسة بـ"التافهة".

وأضافت الدراسة أنه من المعيب ان يكون القانون حاميًا وحارسًا للقاتل، وبوابة كبيرة للإفلات من العقاب، وأن القانون الذي يشرعن ويسهل تلك الجريمة، ابشع من الجريمة نفسها، وإن لم تعالج الأسباب القانونية ستتفشى جرائم القتل بمبرر " لا يقتص من الأصل بفرعه" وستكون شماعة للإفلات من العقاب.

وبالمقارنة للنص القانوني في قانون الجرائم والعقوبات اليمني رقم 12 لسنة 1994، تتفق كلًا من المملكة العربية السعودية والمملكة الاردنية الهاشمية على أنه لا يقتص من الأصل بفرعه وتختلف مدة التعزير بين ستة أشهر في القانون الأردني وخمس سنوات في القانون السعودي، وتختلف كلًا من مصر وتونس في أحكام هذه القضايا حيث لا يفرق القانون المصري بين القتل من قبل الأصول والقتل من قبل أي شخص ويحكم في حالات بالحبس المؤبد أو الاعدام وهو الأمر ذاته في القانون التونسي.

 

 

                                                              

 

الدولة

النص القانوني المقارب

اليمن

لا يقتص من الأصل بفرعه وإنما يحكم بالدية أو الارش بحسب المادة 59 من قانون الجرائم والعقوبات

السعودية

لا يقتص في القانون السعودي من الآباء والأجداد في حال قتلهم لأبنائهم عمدًا ويتم الاكتفاء بالسجن لخمس سنوات، والتعزير

مصر

لا يفرق القانون بين عملية القتل وتم الحكم بالاعدام أو السجن المشدد، وفي حالات إثبات أن القتل غير متعمد يتم الحكم في حالات قتل الآباء لأبنائهم بالسجن المشدد لمدة تصل إلى سبع سنوات

الاردن

يرتكز القانون الأردني على الحكم الشرعي في هذه القضايا ويتم معاقبة مرتكبيها بالسجن من 6 أشهر وحتى سبع سنوات

تونس

المادة 203 من المجلة الجزائية تنص على أن قتل القريب يعاقب مرتكبه بالقتل أو السجن لبقية العمر

 

 

بأي ذنب قُتلت؟

 

في محافظة ريمة، قُتلت آية، فتاة في عمر الـ 16 عامًا، على يد جدها لأمها، بعد ثمانية أشهر من وفاة والدها.

تقول إحدى قريباتها أن آية كانت على وفاق تام مع جدها وأفراد عائلتها قبل وفاة والدها، لكن بعد ذلك تعرضت لأزمة نفسية أدت إلى انعزالها التام عن الجميع.

وخلال تلك الفترة، قام جدها بتعنيفها وإجبارها على العلاج بالاعشاب والقرآن، متهمًا إيها بالجنون وتلبس الجن بها.

استمرت هذه الأحداث لمدة خمسة أشهر، لتُختتم بقيام الجد بتعنيفها وحرقها وخنقها "بحجة طرد الجن". بعد يومين من تلك الحادثة، فارقت آية الحياة متأثرة بجراحها.

 

                                       

 

 

بتتبع التسلسل الزمني للحالات التي تم رصدها، يتبين أن هذه الظاهرة بدأت في الظهور للعلن عام 2012، لتزداد حدتها مع حلول عام 2019. وبحسب حالات الرصد، فإن الحالات التي ظهرت للرأي العام وتم طرحها من خلال وسائل الإعلام لا تمثل سوى 20 في المئة من إجمالي الحالات الحقيقية التي تصل إلى القضاء أو يتم التستر عنها أو تُحلّ قبليًا.

يقول الصحافي والحقوقي الباحث في هذه القضايا محمود شرف الدين، إن هذه المواد القانونية ساهمت وشجعت على تفشي ظاهرة وزيادة حالات القتل بين الأبناء وأفراد أسرهم. واستعرض شرف الدين مع معدّ التحقيق التسلسل الزمني للجرائم المرتبطة بالمادة 59 من قانون الجرائم والعقوبات.

يُشير شرف الدين إلى أنه عندما تمّ الإفراج عن والد (مآب) التي كانت في العاشرة من عمرها، بعد أن عذبها والدها بالنار ووثق تعذيبها بمقطع فيديو، ومن ثم قتلها بالرصاص دون ذنبٍ ورماها في أحد الجبال، توالت الأحداث وظهرت حدتها للرأي العام المحلي، مثل قصة أصالة المطري وصباح وغيرها. وهو ما ساعد في تعقيد وتحسين الإجراءات في بعض القضايا.

تواصل معدّ التحقيق مع بعض الجهات المختصة وبعض المتهمين بقتل أو إصابة ذويهم للحصول على ردود حول بعض الاستفسارات وإتاحة حق الرد لهم. وحتى لحظة نشر هذه المادة، لم يتلقى معدّ التحقيق أي ردود حول ذلك، لتظل قضايا عفاف وآية وغيرهن العشرات ممن خذلتهن العائلة والمجتمع والقانون طي الكتمان والخذلان.

 

 

 

( تم إنتاج هذا التحقيق ضمن مشروع غرفة أخبار الجندر اليمنية الذي تنفذه مؤسسة ميديا ساك للإعلام والتنمية )

 

1190