الصوفية في اليمن: تعايش مستمر رغم استهدافات متكررة

دكــة – أصيل سارية

لمئات السنوات، ظل اليمنيون متعايشين بمختلف طوائفهم وانتماءاتهم السياسية والدينية. في الحي الواحد، يتواجد الصوفي والزيدي والشافعي والمالكي، ليس ذلك فقط بل أنهم يصلون في مسجد واحد ويقفون في صف واحد. إلا أن الحرب غيرت هذه الصورة الجميلة ونسفت ذلك التعايش الذي بقي لسنوات طويلة، وكانت اليمن مثالاً عنه لسنوات طويلة في محيط عربي وإقليمي مضطرب يشهد صراعات دينية متصاعدة

ضريبة الحرب

في العام 2016، وتحديداً في التاسع والعشرين من يوليو، تم تفجير قبة مسجد الشيخ الصوفي الشهير عبد الهادي السودي فى مدينة تعز. قبل ذلك، في المدينة ذاتها، تمّ قصف مكتبة الصراري الصوفية في منطقة صبر من قبل جماعات دينية متشددة. وفي الثالث والعشرين من نوفمبر 2011، في تعز أيضاً، تم اقتحام منزل الشيخ الصوفي عبد الباري الجعدي ومنازل أولاده وإحراق بعضها. في العام 2017، سيطر تنظيم القاعدة في جزيرة العرب على مدينة المكلا شرق اليمن. يروي المحامي والناشط عبد الله الحبشي، وهو من أتباع الصوفية لـ دكة كيف “تعرّضت الصوفية إبان سيطرة تنظيم القاعدة على ساحل حضرموت إلى موجه من العنف تجاه رموز وشخصيات وعلماء الصوفية “. ويُعدّد مجموعة من القباب تعرضت للتدمير الكلي مثل قبة الشيخ يعقوب بن يوسف، وقبة الحبيب العلامة أحمد بن محسن الهدار، وقبة الحبيب شيخان بن علي السقاف، وقبة الحبيب شيخ بن إسماعيل السقاف صاحب الشحر وغيرها. كما انهم لم يكتفوا بذلك بل منعوا ممارسة بعض التراتيب والفعاليات من مثل إحياء المولد النبوي الشريف، والحضرات، وختوم القرآن الكريم، مع التعرض لمساجد الصوفيين ومنابرهم بشكل يومي وتعيين مراقبين في المساجد كافة.
دفع ذلك العديد من العلماء، وفق الحبشي، إلى السفر الى خارج الجمهورية، من جميع مدن حضرموت ساحلا وواديا ، من أمثال رئيس جامعة الأحقاف السيد العلامة البروفسور عبدالله بن محمد باهارون ، والشيخ العلامة محمد بن علي باعطية ، والحبيب العلامة أبو بكر العدني بن علي المشهور وغيرهم الكثير , ووصل الأمر إلى اغتيال الأستاذ التربوي حسين عبد الباري العيدروس، عبدالله بن حسين الجفري ، والسيد العلامة عيدروس بن سميط . خلال تلك الفترة، أقفلت العديد من الأربطة والزوايا والكليات العلمية التابعة لصوفية حضرموت من مثل الأربطة التابعة للحبيب أبو بكر العدني ، ورباط الإمام الشافعي وغيرها.

يصف الحبشي تلك الفترة التي عاشها علماء الصوفية الشافعية الأشعرية بأنها “مرحلة من الخوف والرعب والقلق على حياتهم وحياة طلابهم إلى أن منّ المولى الكريم بالفرج وتحرير ساحل حضرموت من هذا التنظيم الإرهابي “.
في الساحل الغربي الخاضع لسيطرة قوات مدعومة من الامارات، أقدم مسلحون متشددون على هدم ضريح الولي الصديق في حارة الشاذلي وضريح السيد حاتم العلوم بالقرب من السوق المركزي في مدينة المخا التابعة لمحافظة تعز في منتصف العام 2017. وفي العام 2018، فجّر مسلحون متشددون مقام العلامة أحمد الفاز في مديرية التحيتا التابعة لمحافظة الحديدة . خلال الفترة ذاتها، تم تفجير وهدم العشرات من أضرحة ومساجد الصوفية على امتداد انتشارهم الجغرافي في اليمن.
لقرون طويلة تعايش الصوفيين مع بقية المذاهب الدينية في اليمن لا سيما الزيدي والشافعي الأكثر إنتشارا في اليمن , يقول الدكتور عبد الودود مقشر أستاذ التاريخ بكلية الآداب جامعة الحديدة :” لم تكن الصوفية في صراع مطلقاً مع اي مذهب او طائفة او دين بل هي تحمل في ثناياه الحب والمحبة والمساواة وتؤمن بأن الجميع ولدوا من اب وام واحرار ولكل انسان معتقد يعتقده ويمارس طقوسه وهو الحقيقة الازلية فكل البشرية مشتركة في اله واحد وأي كان هذا الاله فهو يمثل عامل مشترك لوحدة الوجود وهو عند الله الواحد الأحد الفرد الصمد” . ويضيف الدكتور انه مع انتشار المذهب الوهابي في اليمن في مرحلة ما بدأت الأمور تتغير فالمذهب الوهابي نشأ من افكار جامدة لا تعرف الديناميكية او الحركية والتجديد ولا تؤمن إلا بالفئة المؤمنة وتعد نفسها هي فقط الفرقة الناجية وغيرها من الاوهام ويجب محو المعارض لها من الوجود وابادة اثره المادي حتى لوكان من اتباع الوهابية انها حالة غريبة من الفكر اشترك في ايجادها اعداء الاسلام والسلطويين داعش وانصار الشريعة والقاعدة كلها مسميات لأسلاف الوهابية التي لم تحارب الصوفية بل حاربت المجتمع والدين.

بدايات الصوفية

بدأت الصوفية بالانتشار في اليمن مبكراً. يقول أستاذ التاريخ في كلية الآداب في جامعة الحديدة الدكتور عبد الودود مقشر إنّ الصوفية انتعشت وانتشرت في اليمن بشكل كبير في القرن السابع الهجري وهي الفترة التي ظهرت فيها الصوفية الحقيقية “بعيداً عن الأفكار المغلوطة”. ظهر خلال تلك الفترة الشيخ الصوفي الأشهر في اليمن أحمد بن علوان في مدينة الزيدية بمحافظة الحديدة في غرب اليمن. شكّلت تلك المناطق تربة خصبة لانتشار الصوفية في اليمن لأن أهلها يتحلون بالطيبة في التعامل ورقة الطبع والأخلاق وكان فضاء لا محدود لذكر الله والتفضل. ويضيف الدكتور أن أغلب مدن تهامة ، الممتدة من ميدي على الحدود مع السعودية شمالاً حتى المخا جنوباً، يطلق عليها صوفية اليمن ومن أكبر تلك المدن بيت الفقية في محافظة الحديدة نسبة إلى الإمام احمد بن موسى العجيل وهو من أعلام الصوفية في اليمن وهي كذلك من أشهر مدن محافظة الحديدة على ساحل اليمن الغربي. كما تنتشر الصوفية في محافظات عدة منها تعز وأبين وساحل حضرموت ووادي حضرموت في شرق اليمن.
على امتداد واسع من الجغرافية اليمنية التي تبلع مساحتها أكثر من 555 ألف كيلومتر، ينتشر الصوفيون في المدن الساحلية والجبلية والصحراوية جنوباً وشرقاً، شمالاً وغرباً، متعايشين مع بيئتهم اليمنية المختلفة من منطقة لأخرى. لا تتوفّر احصاءات رسمية حول تعداد الصوفيين في اليمن، إلا أن أغلب أتباعها يقدرون أنّ عددهم يتجاوز المليون شخص في عموم اليمن .

يقول عبدالله الحبشي إنّ المجتمعات اليمنية المختلفة كانت في انسجام تام مع فقهاء وعلماء التصوف في كل مكان في الجمهورية اليمنية، وإلى أي مكان توجهت سترى مدى انصهار علماء الصوفية الشافعية بالمجتمع الذي يعيشون فيه .
ويضيف الحبشي أنه يمكن للمتابع أن يرى حجم التواصل الاجتماعي بين العلماء وطلابهم ومحبيهم أينما كانوا، يأتي الطلاب مثلاً من أنحاء اليمن إلى العلامة الشيخ أبو بكر بن سالم. تأتيه كذلك وفود محبي العلم والعلماء من يافع وله أموال بها. وتُقرأ قصائد العلامة ابن علوان في حضرموت، وكتب العلامة السيد عبدالله بن علوي في تعز. ويوم دعا الحبيب العلامة عبدالله بن حسين بن طاهر إلى صلح بين قبائل حضرموت كافة، تداعت إليه القبائل والناس بصورة طوعية تدلّ على حبهم وتقديرهم للدور الريادي والاصلاحي الذي يقول به علماء الصوفية. ويوضح أن من بين آخر من شاهده الناس من علماء صوفية حضرموت السيد العلامة الراحل القاضي عبدالله بن محفوظ الحداد، “الذي كان يحظى بالحب والاحترام والتقدير من جميع أهالي وقبائل حضرموت ساحلا ووادياً، وكانت فتاواه محل احترام وقبول من الجميع. وكان بمثابة الأب والمرشد الروحي والمعلم الأول”. ويضيف أنه كان “يستطيع بإشارة واحدة منه أن يحرك أهالي المكلا، وبإشارة يرجع الكل إلى مكانه، في القضايا الاجتماعية والسياسية بحسب ما يتطلبه الموقف”

ترسيخ القيم

ويعود هذا الحب والتقدير لعلماء الصوفية، وفق الحبشي، الى زهدهم في الدنيا وتفانيهم في خدمة مجتمعاتهم وورعهم الشديد. يرى أستاذ علم الاجتماع الدكتور عبدالكريم غانم إنّه من المهم أن نأخذ في الاعتبار “البعد الديني والروحي عند التفكير بإيجاد حل الأزمات الراهنة، ومنها النزعات الاجتماعية الاقصائية، التي تأخذ ملمحاً دينياً أو جهوياً أو سُلاليًا، فالبعد الديني من شأنه التكامل مع التوجهات السياسية والاجتماعية الرامية لبناء السلام والحدّ من التمزق الاجتماعي، من خلال الوصول الى حلول تتمركز حول القيم الإنسانية والروحية”. ويشرح “يمكن حلّ أزمة التعايش عبر ترسيخ القيم الإسلامية التي تحث على السلام ونبذ التطرف واحترام الآخر، والاتجاهات القائمة على الوسطية والاعتدال، ومنها الاتجاهات الصوفية التي تأخذ بمقاصد الدين، كمقصد حفظ النفس، الذي يتطلب التعايش والسلام والقبول بالآخر، ويتطلب نبذ الكراهية، ويدعو إلى محبة الآخر واحترامه”. ويلفت إلى أنّ الصوفية تحث على القيم الإنسانية وتدعو إلى التمسك بالتشريعات والقوانين، من خلال التنشئة القائمة على المحبة، واستنادًا إلى مثل هذه المقاربة يمكن إصلاح الفرد والمجتمع، فالقيم الدينية ما تزال تحظى بقابلية للتطبيق في المجتمع وهو ما يبرر فكرة التكامل بين البعد الديني الصوفي والسياسيات المزمع تطبيقها.