انقطاع الكهرباء يفاقم معاناة سكان الحديدة

دكة – ياسمين الصلوي

تجاوزت درجة الحرارة في مدينة الحديدة 40 درجة مئوية، ما يعني زيادة معاناة آلاف الأسر إذ لم يكن ملايين الأسر داخل هذه المدينة، فبالإضافة إلى ما تشهده المدينة من وضع مأساوي ينذر بحدوث كارثة إنسانية كبيرة قد لا يتحملها السكان، تأتي موجة الحرة هذه وتفاقم وضع الناس هناك، استمرار انقطاع التيار الكهربائي الذي مضى على انقطاعه سنوات نتيجة للحرب التي تشهدها اليمن منذ ست سنوات.

صيف ومعاناة

التقيحات الظاهرة على أجساد الأطفال وكبار السن دليل على أن سكان الحديدة يخوضون معاناة مستمرة بسبب الحر الذي يحاصر المدينة أغلب شهور السنة.
الأربعينية عائشة تقول إن “الحر في الحديدة هذا العام لم يعد يحتمل. لا كهرباء موجودة بتساعدنا نقاوم الحمى ولا باليد حيلة لكي نغادر المدينة، العجز يحاصرنا من كل مكان”.
تعمل عائشة (اسم مستعار) خادمة في إحدى منازل المدينة براتب لا يزيد عن 25 ألف ريال ما يعادل 40 دولار، وضعها المادي جعلها وأطفالها يعيشون ظروفاً معيشية صعبة، وتشير إلى أنها عجزت عن إدخال اشتراك في الكهرباء التجارية إلى منزلها بسبب دخلها المتدني، وكانت قد حصلت على منظمة كهربائية من قبل فاعل خير وهي عبارة عن بطارية ولوح شمسي، بالكاد يضيء مصابيح البيت لساعات متأخرة في الليل، تنظر إلى مكيف الكهرباء المرمي في أحد زوايا المنزل وتتحسر فالحر يكاد يقتلهم وهم لا يستطيعون فعل شيء.

نزوح جراء الحر


لم يكن أمام أم محمد إلا الهروب بجلدها إلى قريتها في أحد أرياف تعز حيث منزلها الذي تركته منذ أكثر من عشرين سنة بعد أن قرر زوجها أخذ الأسرة للعيش معاً في مدينة الحديدة آنذاك، أم محمد (55عاماً) تعاني من مرض السكري وضغط الدم وبفعل الحر الشديد تدهورت صحتها فنصحها الأطباء مغادرة المدينة إذا أمكنها، فقرر الزوج إرجاعها إلى منزلها في ريف تعز.

أم محمد وهي أم لعشرة أبناء وضعها الصحي أجبرها على ترك أطفالها ومنزلها في الحديدة، وبسبب الفقر الذي تعيشه أسرتها عجز الزوج عن توفير تكلفة سفر كل أفراد الأسرة سوى الأم وإحدى بناتها.
لا يختلف الحال عند مريم عن الباقين فقد بدأت تظهر علامات التقيحات المرسومة على جسدها المتين جراء الحر أجبر والدها العودة بها إلى مدينة صنعاء، حيث الجو أخف وطأة من جو الحديدة أكثر المدن الساحلية التي تعاني من ارتفاع درجة حرارة.
تعاني مريم (اسم مستعار) من زيادة الوزن وهو ما تسبب لها بحروق في أماكن من جسدها بسبب الحر الشديد، لم يكن أمام أولادها إلا إنقاذ والدتهم بعد تدهور صحتها.

أم هاشم هي الأخرى تغادر المدينة في كل مرة كانت تحمل جنيناً في بطنها حين توشك على الولادة وكان الفصل صيفاً، وتقول أم هاشم إنها ولدت بطفلها البكر هاشم في منزل أهلها في مديرية قدس بمحافظة تعز، وبعد أن أكملت وضعها تعود إلى الحديدة مع بداية فصل الشتاء، وترى أم هاشم أن كثيراً من النساء في الحديدة إذا حان وقت ولادتها في الصيف تقرر المغادرة، أما في حال كان الفصل شتاء فتبقى لاعتدال الجو، وتشير أم هاشم في حديثها إلى أن النساء اللاتي يلدن في الحديدة والجو صيفاً فإنهن يتحملن عواقب بقائهن في المدينة. دون أن تذكر تلك العواقب.

وضع كارثي


وأنت تمر في الشوارع الرئيسية والفرعية والأحياء والحارات، ترى الكثير من المواطنين (رجالاً وأطفال) يفترشون الأرصفة والساحات، وأمام المنازل بأجساد عارية تركوا منازلهم علهم يجدون نسمات باردة تنسيهم شمس النهار وحره، إلا من يسمح له مستواه المادي دفع الاشتراك الشهري للكهرباء التجارية وتشغيل المكيفات، و المراوح التي تعمل بالطاقة الشمسية فالمراوح لا تلطف الجو ولم تعد تجدي نفعاً في ظل درجة حرارة جعلت من المدينة حفرة من النار.
“من المغرب نطلع السطوح، ما نصدق تغيب الشمس نأخذ كل احتياجاتنا من ماء وفرش، سطوح منزلنا أصبح مكاناً نقضي به كل ساعات الليل نبحث عن جو أفضل من حر الغرف”، تقول نبيلة عبدالحفيظ. وتضيف قائلة: “تشرد الكثير من السكان من منازلهم وحرموا من أسرتهم ولجؤوا لأسطح وأفنية منازلهم، وعلى أرصفة الشوارع”.

يرى سكان الحديدة أن الحل الوحيد لإنقاذهم من الحرارة الشديدة هو عودة التيار الكهربائي بشكل مستمر، فالكهرباء تعد من الخدمات الضروري في المدينة، السكان بأمس الحاجة لتشغيل الأجهزة المنزلية مثل المكيفات وثلاجات التبريد، أغلب السكان خصوصاً أصحاب الدخل المحدود وجدوا الاشتراك في الكهرباء التجارية أمراً مستحيلاً بعد أن وصل سعر الكيلو الواحد إلى 400 ريال فيما يصل سعر الكيلو في الخط الساخن إلى 130 ريال، الأخير لم يشجع الكثير على الاشتراك نظراً لانقطاعه المتكرر. وهذا ما أكده ناشطون من أبناء الحديدة الذين يرون التيار الكهربائي للمدينة مطلباً أساسياً لإنقاذ السكان من موجة الحر الشديدة التي تشهدها المدينة.

*الصورة لصالح موقع Getty