العبور إلى السلام، عن المثقفين ومواقفهم تجاه الإقتتال

كتب_ ماجد زايد

بالإضافة إلى الفوضى الدموية والدمار البنيوي للدولة، صنعت هذه الحرب عداءًا عميقًا، وهذيانًا ثقافيًا بين النخب المثقفة والمسيسة والإعلامية، يحدث هذا في وقت ينقسم فيه المشهد الثقافي اليمني ما بين مؤيد ومعارض للحرب بنتائجها الكارثية،
في هذا التوقيت -على وجه الخصوص- نحن بحاجة إلى مغامرة شبابية، وشجاعة تتمثل في تكوين جبهة أخرى وطريق أخر يُعنى بالصراع من أجل السلام، الصراع المناوئ للحرب والمستفيدين منها، جبهة تضم في جنباتها المفكرين والفنانين والمثقفين والأدباء وكل الأشخاص المتشبعين بالقيم الإنسانية والأخلاقية والوطنية، جبهة بمدونة ومعيار أخلاقي يعرف مجريات الأحداث وتفاصيلها، ويبحث بكل الأطر والمعتقدات والماديات عن سبل مختلفة لإيقاف الحرب ومنع إستمرارية القتل العبثي ومقاومة المجازر الباطلة بحق الإنسان اليمني.

إنه لأمر فضيع حقًا أن نعيش هذه الكارثة المجنونة ثم لا نصنع مقابلها أي فعل ذا جدوى. ضحايا القصف والقتل والمرض لم تعد لتترك محايدًا واحدًا في بلادنا لو افترضنا ضمنيًا صدق ادعاءات التكوين البشري كضمير إنساني يميل فطريًا إلى الحياة والتعايش والسلام مع الاخرين.
إن إنهيار الحضارة و دمار الأوطان وموت الإبرياء ليس أهون أو أقل ضررًا من الانزواء الفكري والثقافي وديمومة الصمت والتجاهل العلني لما يجري. جرم المثقفين وقادة الرأي العام لو افترضنا ذلك يكون أكبر السيئات ظلمًا وتأثيرا.

المهمة الحاسمة للمثقف والمفكر والكاتب وفق رؤية “رومان رولان” الحاصل على نوبل للآداب، تهدف إلى المصالحة العامة، وأنسنة الحرب، وإحترام العدو، والتحضير لسلام مستدام، وإذابة جميع أشكال الكراهية، عوضًا عن الانسياق الأعمى وراء النزعات الشوفينية المجنونة.
أما التحدي الفكري فيتمثل في بقاء المثقف المسؤول ملتزمًا بالمثل العليا، وبقيم الحرية والعدالة الاجتماعية، وفهم الآخرين، ورفض تعميم الحقائق أو تشويهها، والسعي لمنع الانهيار التام والإنتحار الشامل، أو كما يقول رولان: “لأكثر من أربعين قرنًا كان جهد العقول العظيمة التي حققت الحرية يتمثل في توصيل هذه النعمة للآخرين، وتحرير الإنسانية، وتعليم الناس كيفية رؤية الواقع دون خوف أو خطأ. والنظر لأنفسهم في المرآة بنظرة خالية من الإفتخار الكاذب أو التواضع الزائف، و الاعتراف بضعفهم و بقوتهم، ليكون بمقدورهم معرفة وضعيتهم الحقيقية في الكون.

الحرب في المنطق الفلسفي تنبع من الضعف والغباء وعليه فأن واجب المثقفين والمفكرين المتشبعين بقيم السلام والتعايش النظر بهدوء أكثر وسط دوامة الدمار والمذابح، رافعين أصواتهم فوق المعركة، بطريقة ليس من شأنها إيقاف الحرب ككل، بل التقليل من مرارتها. وفي نهاية المأساة سيأتي يوم يتضح فيه مقياس الأخطاء والأكاذيب والحماقات الشنيعة.

إن الحكمة والعقلانية اللتان أشعل ضياءها “ديكارت” في بدايات الحرب العالمية الأولى، سرعان ما أطفأت مضاعفات تلك الحرب وهمجيتها، وفي خضم تلك التطورات الدراماتيكية بادرت الحكومات المتورطة في تلك الحرب العبثية إلى تخويف وإرهاب المثقفين والكتاب من أجل مواصلة النهج العسكري والحربي ضد أعدائهم، وهو ما فشلوا فيه بعد حركة التنويريين الأوروبيين المناهضة للحرب. ذلك يعزى للمثقفين والمفكرين والكتاب الذين كان لهم دور كبير في عملية تحجيم وتعظيم الدوافع والمبررات المنساقة خلف إرادات السياسة والسلطة والقوة، وفي نهاية الحرب العالمية الثانية، انتهج أغلب الرواة والشعراء والكتاب والمثقفين سياقًا مختلفًا لمناهضة الحروب المدمرة، حتى أصبحت رواياتهم وكتاباتهم موضع اهتمام الرأي العام، الخارج لتوه من أتون تلك الحروب.

ولهذا فأن تنازل المثقف وتنحيه عن مهمته الفكرية والتاريخية في هذه الفترات وفق “رولان” يعني الاستسلام والتخلي عن المسؤولية العقلانية والأخلاقية في لحظة مفصلية يسيطر عليها جنون الحرب والإنتقام، وهي بالضرورة كارثة لا تنتهي حتى يأتي المثقف المفكر الذي يرفض الانحياز لأي طرف من الجانبين المتعاركين، فقط لأنه يؤمن بالإنسانية وسمو الحضارة.