نقطة ضوء في زمن الحرب

دكة – عيسى الراجحي

تعتبر الكهرباء أكثر مصادر الطاقة شيوعاً في العالم وأسهلها توفّراً، وتعتبر مورداً أساسياً لا غنى عنه في المجتمع الحديث، فقد أزالت الكهرباء الفارق بين الليل والنهار،وأتاحت وقتاً أكبر للناس لممارسة أنشطتهم المنزلية والاجتماعية إضافة إلى مساهمتها في النشاطات البشرية التي تحافظ على حياتهم، وتجعلها أكثر سهولة وراحة.

غير ان الحرب في اليمن والفشل المتكرر لشبكات الكهرباء العامة، وخروج اغلبها عن الخدمة تركت المواطنين امام خيارات محدودة، تتمثل في شراء وتركيب منظومات الطاقة الشمسية للمنازل أو المتاجر، أو الاشتراك في شبكات كهربائية خاصة تعمل بالديزل، غير أن كلا الخيارين باهظ التكلفة ويضيفان أعباء اقتصادية للأسرة بشكل كبير.

وسط الظلام برزت عشر فتيات يمنيات في مديرية عبس محافظة حجة، لبناء وتشغيل شبكة صغيرة للطاقة الشمسية، كقصة نجاح بين ركام الحرب في منطقة نائية، سكانها من الأسر الأشد فقرًا، وكانت الفكرة مستوحاة من احتياجات المجتمع المحلي في ظل أزمات الطاقة الكهربائية المتتالية، وعدم القدرة على الحصول عليها في ظل استغلال محطات الكهرباء التجارية وفقر الناس.

نحن من مجتمع ريفي له عاداته وتقاليده، ومازالت ثقافة العيب تلاحق الفتاة إذا حاولت العمل، فنحن بعد ان أنهينا دراستنا الجامعية لم نحصل على الوظيفة

بداية الفكرة وثقافة العيب:

في بلدٍ كاليمن، تخوض المرأة حروباً إضافية تفوق ظروف الحرب الدامية ذاتها، سعياً منها إلى فك أغلال قيود مجتمع ذو تركيبة قبلية منغلقة، أو محافظة في أفضل الحالات، فبعد أن أنهت  الفتيات العشر تعليمهن الجامعي لم يحصلن على الوظيفة حيث شهدت الأعوام الأخيرة ارتفاعا في مؤشرات البطالة بين صفوف خريجات الجامعات اليمنية وتناقصت فرص استيعابهن في أسواق العمل في الوقت الذي تتزايد اعدادهن سنويا نتيجة الحرب.

تقول ايمان هادي مديرة المشروع لدكة نحن من مجتمع ريفي له عاداته وتقاليده، ومازالت ثقافة العيب تلاحق الفتاة إذا حاولت العمل، فنحن بعد ان أنهينا دراستنا الجامعية لم نحصل على الوظيفة

فقررت انا وزميلاتي عمل مشروع خاص يعمل على توفير مصدر مستدام للطاقة، فتوصلنا إلى فكرة مشروع إنشاء وإدارة محطة لتوليد الكهرباء بالطاقة الشمسية وبيعها بأسعار منخفضة للسكان في مديرية عبس.

تضيف ايمان لاقينا في البداية معارضة كبيرة من اهالينا وسخرية من المجتمع، لكنا تمكنا في النهاية من اقناعهم بأهمية ما نقوم به وضرورة منحنا الفرصة لإدارة عملنا الخاص، معتبرة ذلك بداية التغيير الحقيقي في قناعات المجتمع فيما يتعلق بالمرأة ودورها وحقوقها وأهمية منحها الفرصة لإثبات نفسها.

الحلم يتحول الى حقيقة

عرضت الفتيات العشر فكرتهن على مؤسسة التنمية المستدامة، وعبرها قُدمت الفكرة إلى برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، الذي وافق على تمويل المشروع بكلفة تعادل 37 ألف دولار أمريكي تقريبًا، في إطار جهود برنامج تعزيز القدرة على الصمود في الريف اليمني. وفي ديسمبر 2018، أنشئت محطة كهرباء صغيرة صديقة للبيئة تعمل بالطاقة الشمسية، وتمنح الكهرباء لنحو 15 منزلًا.

تقول امنه دوالي المسئول الفني للمشروع لدكة بدأ المشروع الصغير بحوالي 36 خلية شمسية، قدرة الواحدة 325 وات، و16 بطارية 220 أمبير، وجهازين لتحويل الطاقة، وبعد مرور عام أضيفت أربع بطاريات من إيرادات المشروع، لتصبح القدرة الإجمالية 10 كيلووات.

في البداية، لم يعبأ سكان المنطقة لفكرة الحصول على الكهرباء من الطاقة الشمسية، ومع مرور الوقت تزايدت طلبات الاشتراك في المحطة ليصبح حاليًّا ثلاثة وأربعين منزلًا مستفيدًا.

تضيف امنه ان المحطة تبيع الكيلوواط الواحد مقابل نحو مئتي ريال يمني، في حين تقدم المحطات التجارية العاملة بالوقود الكيلو الواحد بثلاثمائة وخمسين ريال.

 وتمنح المحطة الأسرة الواحدة من الكهرباء ما يكفي لإنارة أربع لمبات وتلفاز وشاحن هاتف، مقابل 2000 ريال يمني فقط شهريًّا (8 دولارات تقريبًا)

ويحصل عملاء المحطة على الطاقة على مدى 24 ساعة في الأيام المشمسة، وتنخفض خلال الأيام الغائمة جزئيًّا إلى ما بين 15 و18 ساعة. كما يمكن للمشتركين استخدام أجهزة كهرباء كبيرة، كالغسالات والثلاجات، في نهار الأيام المشمسة فقط.

طموح أكبر

تقول إيمان لدكة، نتيجة الطلب المتزايد في الحصول على الطاقة قمنا بشراء خمس بطاريات  إضافية ونعمل حاليا انا وزميلاتي على توسيع المحطة، وتوظيف المزيد من النساء وتوفير الكهرباء لعدد أكبر من المنازل.

 وتتحدث بثقة قائلة: في المستقبل القريب نخطط لإنشاء محطة أخرى لتوليد الكهرباء بالطاقة الشمسية في إحدى المناطق المجاورة حيث توجد فيها 47 أسرة بحاجة إلى الكهرباء. وعلى المدى البعيد، فأننا نحلم بإطلاق محطة كبيرة لتوليد الكهرباء بالطاقة الشمسية لتوسيع نطاق خدماتنا لتستفيد منها جميع الأسر.

 

في العام 2020 كشفت بي بي سي عن قائمتها التي تضم 100 امرأة ملهمة ومؤثرة من جميع انحاء العالم اللاتي قدن التغيير واحدثن فرقا خلال هذا الوقت المضطرب. كانت ايمان هادي مديرة المشروع ضمن القائمة.

حصاد الجوائز

تقول ايمان لدكة عندما سمعت الخبر اصابتني الدهشة والفرحة. كنت في المستشفى برفقة اختي المصابة بالسرطان لعلاجها، تلقيت مكالمة هاتفية أبلغوني بالخبر السار كنت متفاجئة جدا، واستغرق الامر مني بعض الوقت لاستوعب الامر، وهنا أدركت العمل الرائع الذي قمت به، وبعد أيام عدت إلى منزلي فاستقبلتني اسرتي بحفاوة بالغة، وعلى الرغم من حزنها على اختي اعدت اسرتي كعكة للاحتفال وقامت بتهنئتي.

مؤخرا حصدت العشر فتيات اليمنيات، جائزة أشدِن الدولية للطاقة المستدامة 2020، عن مشروعهن. وجرى تكريم المشروعات الفائزة بالجائزة، في حفل توزيع افتراضي، نظرًا لإجراءات الحظر والتباعد الاجتماعي التي يفرضها الوباء العالمي كوفيد-19.

والجائزة تقدمها سنويًّا مؤسسة أشدن الخيرية -مقرها لندن- ورصدتها لأول مرة عام 2001، مكافأةً للمشروعات التي تحمي البيئة وتعمل على تحسين نوعية الحياة، في المملكة المتحدة والبلدان النامية. ومُنحت الجائزة هذا العام لأحد عشر مشروعًا استثنائيًّا في مجال الابتكار المناخي.

 يقول أنور السويدي، مدير مؤسسة التنمية المستدامة بمديرية عبس لدكة، رشحنا ثلاثة مشروعات صغيرة ضمن عشرات المشروعات من مختلِف الدول التي تتنافس على الجائزة، وانتقلت’ محطة صديقات البيئة ‘إلى القائمة القصيرة، قبل أن تتمكن من التغلب على الجميع وتنال الجائزة الدولية القيمة. 

 ويشير السويدي إلى أن المحطة ساعدت المواطنين على توفير المال، ومنحتهم فرصةً أكبر للقراءة والتعلم، خصوصًا الأطفال، وفق مسح ميداني قامت به مؤسسة التنمية المستدامة فضلًا عن أن بعض الأسر لديها مكائن خياطة، فتمكنت من التحول إلى أسر منتجة.

صديقات البيئة صديقات السلام

تقول ايمان هذه التجربة منحتنا منظورًا جديدًا حول السلام والمساعدة في تحسين مجتمعاتنا، لقد كانت تجربة ملهمة ومغيرة لحياتنا وحياة الكثيرين ادعوا كل من لديهم نوايا حسنة للوقوف إلى جانب هكذا مبادرات ودعمها فالشباب والشابات قادرين على قيادة تحولات في بلدانهم، وإيجاد سبل عيش مستدامة من أجل بناء قدرة المجتمعات المتأثرة بالأزمات والحروب على الصمود، مما يساعد على تسهيل عودة أسرع إلى السلام.

 تشكل المبادرات الشبابية فرصة كبيرة للشباب والشابات ليعززوا ثقتهم بذاتهم وأن يتعرفوا على أنفسهم وقدراتهم الكامنة وفرصة للمساهمة في خدمة الناس من حولهم وتنشيط الاقتصاد من خلال جلب الأفكار والمشاريع الريادية للتغلب على ظروف الحرب حتى يحل السلام بين الاطراف المتصارعة ووقف الحرب والتوصل الى سلام يحد من هكذا معاناة..